الصبر القطري – مبارك بن راشد الشهواني

ان كان في السياسة جوانب يصعب عليّ أنا المتابع البسيط فهمها, فإن اصعبها فهما على الاطلاق واعسرها هضما بالنسبة لي وأثقلها تجرعا علي هي سياسة “الصبر” و”ضبط النفس” على تفاهات وسفاهات وسخافات بعض الحمقى من أدعياء السياسة ممن ورثوها وراثة ولم يكتسبوها اكتسابا ولا عرفوها معرفة حقة, وهذا الصبر الجميل الذي رأيته في آخر خمس سنوات من القيادة القطرية تعدى فعلا حدود معرفتي و امكانياتي المتواضعة. كيف لا وأنا ارى هذا الصبر القطري على أذى الجار والذي يذكرنا بصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى جاره اليهودي؟

خصوصا ان هذه الأخلاقيات والمبادئ الاسلامية والعربية الشامخة تأتي في الوقت الذي يحاول فيه الكثير من الأفاكين اخبارنا ان السياسة لا دين لها, ولا أخلاق ولا مبادئ !

واتسائل حقا كيف يكون هذا الكلام صحيحا وأنا أرى رأي العين هذا التطبيق ” العملي ” لمبادئ الدين الإسلامي والشهامة العربية والذي نصر الله به قطر سابقا وسوف ينصرها به لاحقا مادامت مستمرة على النهج العملي وليس “التنظيري” كما تعودنا من بعض المتاجرين بالدين والأخلاق والشيم

أنا لن أعيد هنا على القارئ الكريم سرد كل مواقف الشهامة القطرية فهي اكثر من ان تعد وتحصى, ولن اسرد حتى مواقفها المشرفة في الخمس سنوات الاخيرة ايضا لأنها صارت معروفة للقاصي والداني, والقريب والبعيد, بل حتى الشرفاء ممن لا يدينون بدين الاسلام اعترفوا بالحق القطري واكبروا هذه الشهامة والمروءة التي ندر وجودها في هذا الزمان الصعب

ولكن خذ عندك مثلا حين أصدرت بعض الدول قوانين تحرم مواطنيها من التعاطف مع اهلهم في قطر, لم تواجه القيادة القطرية هذه الخطوة سوى بطول نفس قطري وصبر جميل على الاذى بل وتشجيع منها للمواطنين على ضبط النفس والترفع عن هذه المستويات التي لم ولن تكون يوما من الموروث القطري الاصيل.

والحقيقة ان ما دفعني للكتابة ولفت نظري لهذا الابداع القطري هو ماحصل ويحصل مؤخرا من دولة البحرين المسكينة والتى دخلت في تصادم سياسي أكبر منها مع “قطر الكبرى” حين لعبت دور ” النائحة المستأجرة ” في أزمة حصار قطر بينما كانت في الواقع هي الخاسر الأكبر من كل هذا العبث الصبياني الذي صار يضرب به المثل في الغباء والبلاهة.

فالبحرين كانت ولا زالت هي الواجهة الهشة التي تهاجم قطر بالرغم من الخسائر الكبيرة المتكررة التي تكبدتها والتي لا يمكن لعاقل الاستمرار فيها مهما كان التبرير. فمن توقف قطر عن شراء مادة البيوتامين البحرينية بسعر أعلى بـ 20% من سعر السوق, إلى الضرر المعنوي والذي أصاب البحرين لما “أزّت” وحرضت بحارتها على التعدي على المياه الإقليمية القطرية وصولا إلى الضرر الاقتصادي والمادي الكبير حين أخذت قطر حقها من المجال الجوي البحريني والذي كانت قد تنازلت للبحرين عنه من باب مساعدة اخوية من قطر الكرم والشهامة.

كل هذه الخسائر والصفعات التي توالت على البحرين أتتها وقطر مشغولة بأمور أعظم, ودول اكبر , و مسائل سياسية حقيقية كاستضافة المفاوضات بين طالبان وأمريكا ومواجهة التحديات الاقتصادية في ظل الحصار قبل صلح العلا وبعده, ناهيك عن الاستعداد لكأس العالم وغيرها من أمور كبرى لايسع المجال هنا لذكرها.

ومع ذلك فبإمكان المتابع العادي أن يرى سقوط البحرين كـ “أضرار جانبية” فقط لا غير, ولكن العناد الطفولي وكيف تأخذ العزة المجرمين بالإثم لا ينقضى العجب منها سبحان الله, فهاهي البحرين مرة أخرى تناطح الجبل وتثير بشكل رسمي فظ و فج وغبي ومتخلف على لسان مستشار ملكها ووزير خارجيتها الاسبق, قضية جزر حوار القطرية والتي كانت قطر قد تكرمت بها ـ كعادتها – وتنازلت عنها للبحرين من باب الاخوة والكرم والتعاطف.

و يبدو لي أن فتح هذا الموضوع من قبل البحرين بشكل رسمي يجعل من حق قطر فتح ملف القضية مرة أخرى للمطالبة بما هو حق أصيل لها وستخسر البحرين كعادتها و ستربح قطر كعادتها.

انا في الحقيقة ياعزيزي القارئ والله كنت أعجب من فرعون موسى كيف لم يستفد من الآيات والمؤشرات التي تريه أنه على باطل وأن موسى على حق وكيف لم يتوقف عندما رأى الآيات التسع تتوالى عليه آية تلو الاخرى وهو لا يرعوي ولا ينتهي عن غيه, وكنت اقول لنفسي لا يمكن أن يكون حاكم مصر الفرعونية بهذا الغباء وهو يستمر في طريق الخسارة الى النهاية المحتومة إلا لأن الله قضى ذلك وليس للعبد مهرب من قضاء الله.

ولكن الآن لما رأيت البحرين تستمر في غيها وهي تتلقى الصفعات تلو الصفعات و الخسائر تلو الخسائر

لا يسعني سوى القول متعجبا

ما للرجال مع القضاء محالة 000 ذهب القضاء بحيلة الاقوامِ

‏Mubarak.alhajri78@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى