النزاع بين الكوريتين يعود للواجهة بعد إطلاق بيونغ يانغ صاروخين باليستيين

أثار إطلاق كوريا الشمالية صاروخين باليستيين قصيري المدى باتجاه البحر أمس /الخميس/ موجة من الاتهامات المتبادلة بين كوريا الشمالية من جهة، وتحالف كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة الامريكية من جهة أخرى.

ففي الوقت الذي أعلنت فيه كوريا الشمالية أن التجارب الصاروخية التي أجرتها في الآونة الأخيرة هي إجراء مضاد للمناورات العسكرية المشتركة بين الجيشين الأمريكي والكوري الجنوبي، والتي هي – على حد وصفها – مناورات تمهيدية لبدء الحرب، اعتبرت واشنطن أن هذه التجارب تمثل تهديدا للمجتمع الدولي، فيما توعدت سول باتخاذ إجراءات مضادة وصفتها بالقوية.

وأدانت الولايات المتحدة أحدث تجارب كوريا الشمالية الصاروخية، واعتبرتها أنها تشكل خرقا لقرارات مجلس الأمن الدولي وتهديدا للجيران الإقليميين والمجتمع الدولي، فيما أصدر مجلس الأمن القومي الرئاسي الكوري الجنوبي بيانا ندد فيه بقوة بالتجارب الأخيرة باتجاه بحر الشرق، الذي يعرف أيضا باسم بحر اليابان، محذرا كوريا الشمالية من اتخاذ تدابير مضادة وقوية حيال تصرفاتها الأخيرة.

وجاء إطلاق الصاروخين في وقت اجتمع فيه مجلس الأمن الدولي في نيويورك للبحث في إطلاق بيونغ يانغ قبل 3 أيام صاروخا باليستيا متوسط المدى حلق فوق اليابان، في سابقة هي الأولى منذ عام 2017 ، قبل أن يسقط في المحيط الهادئ. ودفعت هذه التجربة طوكيو إلى تفعيل نظام الإنذار والطلب من سكان بعض المناطق الاحتماء كخطوة احترازية.

ورغم الرسالة التي أوصلها الجيشان الكوري الجنوبي والأمريكي في التجربة الصاروخية المضادة، أجرى مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، محادثتين منفصلتين مع نظيريه الياباني والكوري الجنوبي لبلورة رد دولي مناسب وقوي للتأكيد على ما تصفه واشنطن بالالتزام الراسخ للولايات المتحدة بالدفاع عن طوكيو وسيول.

وسبق أن أكد بيان أمريكي أن الولايات المتحدة ستواصل جهودها للحد من قدرة كوريا الشمالية على تطوير برامج الصواريخ البالستية وأسلحة الدمار الشامل المحظورة، بما في ذلك مع الحلفاء وشركاء الأمم المتحدة.

ودعت الولايات المتحدة، جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية إلى الامتناع عن أي عمل آخر غير قانوني ومزعزع للاستقرار، مستخدمة الاسم الرسمي لكوريا الشمالية.

وتخضع كوريا الشمالية إلى عقوبات أممية بسبب برامج أسلحتها المحظورة، لكنها تسعى في العادة إلى زيادة التأثير الجيوسياسي لتجاربها العسكرية من خلال القيام بها في توقيت يبدو لها مناسبا للغاية.

ويعد هذا النزاع من أقدم النزاعات الإقليمية في العالم، إذ يتجاوز الانقسام الكوري نحو 80 عاما، والعلاقات بين الدولتين ضعيفة ومضطربة وعرضة للتأزم في أية لحظة في ظل وجود نحو مليوني جندي وعشرات الآلاف من الدبابات والصواريخ والمدافع المكدسة على مسافة 75 ميلا على كلا الجانبين فيما يعرف بالمنطقة منزوعة السلاح بين الجارتين.

ومع إطلاق هذين الصاروخين، يرتفع عدد التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية إلى 6 خلال أقل من أسبوعين، وجاء إطلاق الصاروخين مع عودة حاملة طائرات أمريكية إلى المنطقة، ردا على أحدث اختبارات صاروخية أجرتها بيونغ يانغ.

يشار إلى أن كوريا الشمالية أعلنت نفسها دولة نووية، في 9 سبتمبر الماضي، وأعطت الرئيس الكوري الشمالي كيم جون أونغ الحق في التصرف بالسلاح النووي، وقد أجرت بيونغ يانغ سلسلة اختبارات هذا العام على الرغم من العقوبات، بما في ذلك اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات للمرة الأولى منذ العام 2017.

وعلى الرغم من الحرب غير المعلنة بين الكوريتين، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين البلدين، من حيث القوامين الاقتصادي والعسكري أو الدفاعي، فكوريا الجنوبية تصنف على أنها واحدة من الاقتصادات الواعدة، وتعمل حكومتها جاهدة على إحداث طفرات اقتصادية مع تتابع تولي الرؤساء عليها بأجندات سياسية مختلفة، وهو ما يبعد كل البعد عن جارتها الشمالية، التي تشهد أداء اقتصاديا ضعيفا، ولا دور للقطاع الخاص فيها تقريبا لدعم النمو الاقتصادي، عكس ما هو معمول به في كوريا الجنوبية.

وفي المقابل، تتمتع كوريا الشمالية، بنظام تسلح عالي التقنية، وتمتلك قوة نووية تهدد بها باستمرار جيرانها والعالم، وتصرف ببذخ على تطوير منشآتها النووية، ويسير الحكم المتوارث فيها على نفس النهج السياسي دون تغير منذ أكثر من 40 عاما.

وتخوض الكوريتان صراع حرب باردة مستمرة، رغم أفول المنظومة الشيوعية من الميزان الدولي، إلا أن الفوارق بينهما واضحة في مجالات شتى، ففي كوريا الجنوبية شهد الاقتصاد طفرة هائلة، فقد بلغ إجمالي قيمة البضائع والخدمات المنتجة سنويا في كوريا الجنوبية 210 مليار دولار.

وتمتلك سول اقتصادا صناعيا يعد أحد أسرع الاقتصاديات نموا في العالم، ويمتلك القطاع الخاص كل صناعات البلاد تقريبا، ويمثل التصنيع نسبة 75 بالمائة من جملة الإنتاج الصناعي الجنوبي، فضلا عن تطوير الصناعة الثقيلة منذ الحرب الكورية، التي تعد حاليا منتجا رئيسيا في مجالات المنتجات الكيميائية، والأسمدة، والحديد، والفولاذ، والآليات، والسفن.

كما طورت كوريا الجنوبية إنتاج السيارات ومعدات وقطع الحاسوب والتوصيلات الكهربائية والنظارات وأجهزة التلفاز، ناهيك عن نظام عالمي للسكك الحديدية وشبكة من الطرق، حيث تربط طرق المرور السريع المدن الرئيسية.

لكن جارتها الشمالية على العكس من ذلك، حيث ألقى تفكك الاتحاد السوفيتي السابق بظلال الركود الاقتصادي على كوريا الشمالية التي كانت تعتمد على المساعدات السوفيتية والوقود والقروض، وانتهى بها الحال في نهاية الثمانينيات إلى أن تكون خاسرة في هذا الصراع، وخصوصا في الجانب الاقتصادي، رغم أنها تحاول الصمود وسط تقلبات السياسات الدولية والإقليمية وحاجتها الملحة إلى المساعدات الخارجية.

ولأنها تخضع منذ عقود إلى حكم سلالة كيم الحاكمة، فإن هذه القيادة العائلية، بحسب الخبراء، تعتمد على صواريخها البالستية وتجاربها النووية لإدامة الصراع ولو بالحد الأدنى، كوقود سياسي لبقائها بالسلطة معتمدة على قبضة أمنية حديدية، ومنع تعدد وسائل الإعلام أو مناقشة الحريات ناهيك عن أي ممارسة انتخابية تدعو لتداول السلطة، دون اكتراث لاتهامات دولية لها بانتهاك حقوق الإنسان.

وكانت وفاة كيم إل سونغ الزعيم التاريخي لكوريا الشمالية عام 1994، مرحلة فاصلة في تحول السياسات، حيث بدأت بيونغ يانغ بالاعتماد على عسكرة المجتمع في ظل الخبرة المتواضعة للابن كيم جونغ إل الذي تسلم القيادة وسط متغيرات دولية بارزة، فتسببت سياساته المتخبطة اقتصاديا بحدوث مجاعة غير مسبوقة في كوريا الشمالية، مع تقديرات غربية بوفاة نحو ثلاثة ملايين من السكان خلال التسعينيات، وبدلا من الالتفات للأزمة الإنسانية، بادر بتسريع البرنامج النووي الذي بدأته كوريا الشمالية عام 1985 وتحولت ايديولوجية الدولة من الماركسية إلى القومية الطائفية وحكم العائلة، معتمدا على دعم الصين جارتها العملاقة.

وبدأت الخطوات الفعلية لدخول بيونغ يانغ إلى أروقة النادي النووي بإجراء أول تجربة نووية تحت الأرض في 9 أكتوبر عام 2006، مما استدعى فرض عقوبات دولية عليها، لكنها لم تتراجع واستمرت بتطوير صواريخها البالستية، ورفضت الخضوع لمنطق العقوبات لتبلغ الذروة بطرد مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة من مجمع يونغبيون النووي في 16 أبريل 2009، وبعدها بشهر ونصف، عادت لتجري تجربتها النووية الثانية تحت الأرض في 25 مايو 2009.

ولم تفلح سياسة الرؤساء السابقين بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما والعقوبات المختلفة على النظام وشركاته العسكرية والاقتصادية، بتغيير سياسة بيونغ يانغ، حتى أن كيم جونغ أون وصف البرنامج النووي لكوريا الشمالية بأنه حياة الأمة التي تمنع المساس بدولته.

ولم يتغير الحال عقب وفاة كيم جونغ إيل في 17 ديسمبر 2011 بعد أن قضى 17 عاما في السلطة ليخلفه ابنه الأصغر، كيم جونغ أون الزعيم الحالي، ورغم أن كيم أون حاول تغيير بعض السياسات لتخفيف العقوبات، إلا انه استمر بسياسة التهديدات المضادة للعقوبات التي يفرضها مجلس الأمن عقب كل تجربة صاروخية، حتى تطور الحال زمن الرئيس السابق دونالد ترامب الذي وجه تهديدات غير مسبوقة خلال أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ف 19 سبتمبر 2017 بتدمير كوريا الشمالية بالكامل، إذا اضطرت الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها أو عن حلفائها، ليرد عليه كيم جونج أون ببيان لم يسبق له مثيل أيضا باسمه، واصفا سلوك ترامب بأنه مختل عقليا، مؤكدا استعداد بلاده لأعلى مستوى من التدابير المضادة المتشددة في التاريخ.

لكن هذا السجال والتراشق خفت حدته لعوامل كثيرة، منها سعي الطرفين لتحقيق مكاسب سياسية، حتى أن الرئيس الأمريكي ترامب التقى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون ثلاث مرات في سنغافورة في 12 يونيو 2018، وفيتنام في فبراير 2019، ثم تكللت الجهود بلقاء ثالث بالغ الأهمية في 30 يونيو 2019 بدخول ترامب إلى كوريا الشمالية ولقاء كيم جونغ أون قرب الحدود مع الجارة الجنوبية. ولا يعرف إن كانت سياسة الرئيس الحالي جو بايدن ستتغير عن نهج سلفه ترامب، لكن من الواضح أن كوريا الشمالية ماضية بسياساتها القديمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى