حاوره : أحمد القوبري
هذه زاوية نطل بها على مختلف قضايا الساعة عبر حوارات سريعة نحاول من خلالها عبر ” لقاء اللواء” ان نسلط الضوء على الحقيقة وكل جديد في السياسة والرياضة وكل قضايا الوطن والمواطن .
في هذا اللقاء الخاص، نستضيف اليوم الدكتور سامي العريان،الأكاديمي والناشط السياسي الفلسطيني، المعروف بمواقفه الفكرية والحقوقية الجريئة في الدفاع عن القضية الفلسطينية من قلب المؤسسات الأكاديمية والسياسية الغربية ، والذي مر بتجربة فريدة جمعت بين العمل الأكاديمي والتعرض للملاحقة القانونية في الولايات المتحدة.
نسلط الضوء على محطات حياته، لنفهم كيف تشكل وعيه السياسي، وما رؤيته للمشهد الفلسطيني والدولي اليوم ، كما نناقش رؤيته لدور النخبة الأكاديمية الفلسطينية في مقاومة الهيمنة السردية الإسرائيلية، وقراءة موازين الخطاب العالمي تجاه فلسطين في ظل التطورات السياسية المتسارعة.
@ الدكتور سامي، كيف أثرت تجربة الغربة في تشكيل مواقفك تجاه القضية الفلسطينية؟
•• كفلسطيني نشأ في البلاد العربية كلاجئ في دول مختلفة ، كانت فلسطين هي الرمز الذي يؤثر في تشكيل شخصية الانسان وثقافته الواعيه ، طبعاً هذه التجربة نحن تشربناها من الآباء والاجداد ، ولقد شكلت المحطات التاريخية خصوصاً هزيمة 67 عاملاً كبيراً في تشكيل وعينا وفي مرارة التجربة وكذلك في ما يجب فعله على المستوى العربي والإسلامي.
هذه التجربة لم تكن وهي في الغربة قد جاءت في التدافع والتصادم مع الفكرة الصهيونية الا عندما ذهبت الى أمريكا ، هناك اصبح الوجود الصهيوني الطاغي في الولايات المتحدة في الغرب بصورة عامة يعطينا فكرة أوسع وأوضح على عمق التحدي الذي يواجه الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، إن هذا التحدي ليس فقط تحدي في داخل فلسطين ، إنما تحدي على المستوى العالمي لأن الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني يستمد قوته بشكل كبير من هذا الوجود الطاغي والقوة الكبيرة في دعم الغرب له ولمشروعه.
هذا النوع من الوعي أدى الى الفهم العميق ان القضية الفلسطينية تستهدف فقط المواجهة في داخل فلسطين او في المنطقة العربية ، وانه لا بد من مواجهة الحركة الصهيونية على نطاق عالمي ، هنا نجعل المسألة ليست فقط هي القضية الفلسطينية على مستوى الوعي انما هي كيف نتعامل مع التحدي الإسرائيلي والقضية الإسرائيلية.
قضية حق ضد باطل
@ ما الذي يجعل القضية الفلسطينية صامدة رغم محاولاتطمسها؟
•• القضية الفلسطينية هي قضية حق ضد باطل وعدل ضد ظلم ، وهيمنة ضد محاولة تحقيق الحرية ، وحق تقرير المصير ، هناك محاولات صهيونية منذ اكثر من قرن لاقتلاع الشعب الفلسطيني وإخراجه من ارضة ومحاولة طمسها ، ومحاولة انعاش الكيان الصهيوني في المنطقة ولكن هذه المحاولات كلها فشلت في صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بالبقاء على ارضة ولإيمانه بعدالة قضيته ، وايمانه بانه مهما فعل الصهاينة فلن يستسلم الفلسطينيون ولن يقوموا بترك التماسك بعدالة قضيتهم .
والدليل على ذلك مكوثهم على هذه الأرض رغم كل محاولات اقتلاعهم منها وكل محاولات الحركة الصهيونية ومن يعاونهم في اقناعهم بالاستسلام وبأقناعهم في عدم التصدي للمشروع الصهيوني .
ان كل حركات المقاومة بألوانها المختلفة وتنوعاتها ، وكل هذا التاريخ الذي استمر لأكثر من قرن له دلالة واضحة وهو ان الشعب الفلسطيني رغم مرور اكثر من خمسة أجيال ما زال مستمراً على المقاومة والصمود حتى تحقيق كل أهدافه واستقلاله .
@ هل ترى أن القضية اليوم تعيش انقساماً داخلياً أكبر أم حالة وعي أكبر؟
•• مما لا شك فيه مما نراه اليوم من تضحيات جسيمة يقوم بها خصوصاً شعب غزة الأبي ، عشرات الألوف بل مئات الألوف من الضحايا والشهداء وتدمير كامل لقطاع غزة ، على الرغم من كل هذه التضحيات الكبيرة ولكن هناك في حالة وعي كبيرة جداً لدى الشعب الفلسطيني ولدى الامة العربية والإسلامية حول العالم ، نحن نعيش الآن أياماً تاريخية من حيث ان هناك وعي كبير جداً بأن المشروع الصهيوني والحركة الصهيونية والكيان الصهيوني لا يمثل الا حالة اعتداء وحالة استعمارية احلاليه استيطانية اقتلاعيه عنصرية استعلائية فوقية تريد ان تهيمن على هذه المنطقة من خلال العدوان ومن خلال كل أدوات العنف التي لديها ، هذا يعني ان هذه حالة الوعي أصبحت تقرر انه لا يمكن التعايش مع الحركة الصهيونية ولا الفكر الصهيوني ولا الايدولوجية الصهيونية ولا الكيان الصهيوني.
هذه حالة وعي كبيرة لم تكن موجودة في المنطقة ، ولكن بعد ان رأينا ما يفعل في غزة وصل العالم ما وصل الفلسطينيون منذ عشرات السنين ان المشروع الصهيوني لا يمكن التعايش معه على الاطلاق وان الحل الأوحد هو في تفكيك هذا المشروع ، نحن لا نتحدث عن حالات مقتل لليهود في العالم ، بل عن حركة عنصرية تريد ان تهيمن في هذه المنطقة ولا بد من تفكيك مؤسساتها ، ولا نتحدث عن حالات عنف او حالات عنصرية ضد شعوب او أقليات ، هذا الوعي لدى الشعب الفلسطيني من خلال هذه التضحيات ، وهذه التجربة التاريخية التي خاضها قبل نحو قرن خصوصاً في اخر سنتين تؤدي الى الادراك الأكبر حول العالم ان الحركة الصهيونية لا يمكن ان تقبل لأنها فيها كل هذه العوامل التي ستؤدي في نهاية الامر الى تفككها وفنائها .
ملاحقات .. واعتقال
@ تعرضت للاعتقال والملاحقة في أمريكا بتهم سياسية، كيف تصف تلك التجربة؟
•• هذه الملاحقات والاعتقالات كانت نتيجة النشاط السياسي المتعلق بقضية فلسطين والدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين في أمريكا ، وهي جاءت من خلال التحريض المستمر للصهاينة في أمريكا والذين استفادوا من مأساة 11 سبتمبر حتى يلفقوا لنا مثل هذه التهم ويتخلصوا من الأصوات التي تنادي بحق المسلمين في أمريكا وبالحق الفلسطيني.
كانت تجربة ثرية ومؤلمة في نفس الوقت ، ولكن بالأيمان وبالثبات والقدرة على التصدي لكل هذه المؤامرات التي خضناها ، سواء كانت على المستوى الشخصي او الجمعي او على مستوى الجاليات ، هذا النوع من الصمود وهذا النوع من الايمان بالحق وبرحمة الله سبحانه وتعالى استطعنا ان نصدها وننتصر فيها على كل المحاولات التي كانت تريد ان تضعنا في السجون لمدى الحياة ، ولكن لطف الله سبحانه وتعالى وثم العمل المضني الذي خضناه دفاعاً عن حقنا ، استطعنا ان ننتصر على الحكومة الامريكية ليس مرة واحدة ولكن مرتين في المحاكم الامريكية طيلة اكثر من 11 عام .
اسكات الصوت الفلسطيني !
@ كيف تقرؤون حدود حرية التعبير في المؤسسات الأكاديمية الأميركية عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟
•• منذ ان كنت في أمريكا مكثت فيها أربعين عاماً ، كانت هناك محاولات حثيثة لإسكات الصوت الفلسطيني الذي كنت امثله ، سواء في مؤتمرات او في الحرم الجامعي في اكثر من جامعة حول أمريكا ولكننا في اكثر المرات كنا نستطيع ان ننتصر عليهم ،نظراً لأن هذا المجتمع كان به من ناحية تاريخية وقانونية ودستورية الحق للإنسان ان يعبر عن نفسه ، ولكن في السنوات الأخيرة خصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر اصبح هنا كمحاولات لاستخدام بعض السياسات والتي هي غير دستورية ولا تمثل الفكر الليبرالي ومحاولة ان تسكت الأصوات التي تنتصر للحق الفلسطيني على الباطل الإسرائيلي وحاولوا معي من خلال الأمور القانونية وفشلوا ، وكان فيها اثمان كبيرة سواء الثمن الذي دفعناه في المحاكم او في السجون او في المجتمع ككل على كل الأحوال ، التحدي سيكون ليس للعرب والمسلمين فقط ، انما هو تحدي للمجتمع الأمريكي نفسه لانه الان يعاني من ذلك ، هناك مئات الألوف من الامريكان انفسهم يعانون اليوم من عدم قدرتهم على التعبير على ما يؤمنون به وما يعتقدون به في الحق في إعطاء اراء والحق في دعم القضايا لأن النخب السياسية الصهيونية تشن حرباً عليهم وعلى كل المؤسسات التي تقف في وجه الباطل الصهيوني ووجه حرب الإبادة في غزة والتطهير العرقي ومحاولة اسكات مثل هذه الأصوات .
نحن الان في الولايات المتحدة الامريكية اصبحنا في معركة طاحنة سيحسمها في نهاية الامر وعي واصرار الناس والدفاع عن حقهم في التعبير ، رأينا هذا ليس فقط من خلال التيارات والمؤسسات اليسارية او التقدمية ولكن نراها اليوم حتى في اليمين الأمريكي وأولئك الذين اصبحوا ليسوا فقط مستائين من هذه القبضة الصهيونية على المجتمع ، وانما ايضاً من المحاولات الفجة لإسكاتهم ومحاولة رشوتهم حتى يسقطوا ، هذا سيسبب انتفاضة ويسبب ردة فعل كبيرة جداً ضد المؤسسات الصهيونية وضد الفكر الصهيوني والصهاينة في أمريكا يعلمون ذلك ، ولذلك أصبحت معركة كبيرة قد تغير المجتمع الأمريكي على المستوى الشعبي على الأقل .
الهوية ..والدين
@ هل تعتقدون أن النموذج الأميركي في التعامل مع الناشطينالسياسيين يختلف بناءً على الهوية والدين؟
•• بعد هجوم 11 سبتمبر كان هناك هجمة حكومية اُستخدمت فيها كل الأدوات الفجة والخشنة والناعمة سواء كانت على المستوى القانوني او على مستوى المؤسسات البوليسية والاستخباراتية او على المستوى الإعلامي والمستوى الاكاديمي والفكري والمجتمعي وحتى من خلال هوليوود والأفلام ومحاولة التعامل مع الفكرة الصهيونية والنشاط السياسي بناء على كون الانسان مسلماً وملتزماً دينياً ، ايّن كانت الهوية والدين تلعب دوراً كبيراً ، هناك العشرات من المؤسسات والمئات من الشخصيات التي استهدفت المسلمين في أمريكا حتى يحاولوا اخماد أصواتهم حتى يضعوا الفكر الذي يمثلونه في قضايا المسلمين خصوصاً عندما بدأت أمريكا في سياساتها ومحاولة تغيير المنطقة فيما يسمى بالهندسة الاجتماعية عندما غزت أفغانستان والعراق وكانت تريد ان تكمل على دول أخرى حتى تستطيع ان تتحكم في المنطقة وتهيمن على سياساتها .
هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعاً في مقاومة المنطقة التي رفضت ان يكون هناك هيمنة اجنبية على مقدراتها ، بدأت هذه بالاتجاه نحو استهداف الشباب والجاليات المسلمة في أمريكا ثم انتقلت الى الناشطين والحركات الوطنية والإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية ، والان نفس هذا التوجه نحو الذين يقفون ضد سياسات الهيمنة الاستعمارية والعنصرية ، أصبحت الان تمس بشكل مباشر الناشطين السياسيين داخل أمريكا بغض النظر عن هويتهم.
لذلك نرى اليوم في الجامعات وفي المؤسسات المختلفة وفي وسائل الاعلام هناك استهداف كبير لشخصيات كبيرة في المجتمع الأمريكي نظراً لوقوفهم وكلامهم القوي مع الحق الفلسطيني ضد الباطل الإسرائيلي .
الرواية الإسرائيلية
@ كيف يمكن ان يتم مواجهة الرواية الإسرائيلية في الإعلام الغربي؟
•• هذا سؤال مهم يحتاج الى استراتيجية شاملة ، الرواية الإسرائيلية ليست فقط عبارة عن قصص تروى في الإعلام ، انما هي جزء من الثقافة العامة في المجتمعات الغربية ، بمعنى آخر ان الرواية الإسرائيلية تتجاوز كونها فقط في الإعلام ، فهي تبدأ من خلال الوسائل والمؤسسات التعليمية والثقافية والفكرية والدينية ، الانسان الأمريكي يستمع للرواية الإسرائيلية في المدرسة وفي البيت وفي الكنيسة وفي الوسائل العامة كما يستمع اليها من السياسيين ووسائل الاعلام ، فحتى تواجهها في الاعلام الغربي فلا بد من الولوج الى كل مؤسسات المجتمع .
لا بد ان يكون هناك استراتيجية تتجاوز وسائل الإعلام ، الإعلام الغربي موجه ومسيطر عليه الى حد كبير من المؤسسات الصهيونية ، اصبح يفقد قدرته على احتكار هذه الرواية في عقول المجتمعات الغربية نظراً لوجود الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي ، لأنها أصبحت من الصعب السيطرة عليها .
لذلك هم يحاولون اليوم السيطرة على التيك توك والحديث الى ايلون ماسك حتى يسيطرون على منصة اكس ، كما انهم سيطروا على قوقل ويوتيوب وفيسبوك وانستغرام ، حتى نواجه هذا الامر فلا بد من إيجاد استراتيجية مواجهة شاملة تتجاوز الإعلام الغربي لتشمل كل مناحي الحياة في التعليم والثقافة والإعلام والفكر والسياسة وفي الاكاديميات وحتى في وسائل الترفيه والأفلام والوثائق .
هذا النوع من المواجهة يحتاج الى إمكانيات كبيرة ، ومن الممكن جداً ان يكون هناك مواجهة شاملة وناجحة لسبب واحد ، ان الحق الفلسطيني والحق العربي والحق الإسلامي والحق المسيحي هو الحق وهو الحقيقة ، في حين ان الروايات الإسرائيلية مهترئة وهي تعتمد على الكذب والخداع والاساطير والخرافات.
الدور العربي والإسلامي
@ ما تقييمك للدور العربي والإسلامي تجاه غزة اليوم؟
•• للأسف الشديد الدور العربي والإسلامي تجاه ما يحدث في غزة من إبادة جماعية ومن تدمير كامل للحياة ضعيف جداً واقل بكثير مما هو يمكن ان يكون ، لا احد يتحدث عن قيام جيوش عربية للتصدي مع ان القوة العربية والإسلامية تتجاوز القوة الإسرائيلية بعشرات الاضعاف ولكن هناك خوف كبير من ردة الفعل الامريكية والغربية ، مع اننا نرى اليوم الشعوب في أوروبا وامريكا أصبحت اكثر وعياً ، الخطر الإسرائيلي ليس فقط على الحق العربي والحق الفلسطيني ولكنها ادركت ان تَملُك الفكر الصهيوني والسياسات الصهيونية والمؤسسات الصهيونية من مجتمعاتها يسبب لها اشكالاً وتحديات كبيرة .
لذلك كنا نرغب ان يكون الدور العربي والإسلامي دوراً اكثر استقلالية ومبدئية مما هو عليه والسبب الرئيسي في اضعاف الموقف هو في الخوف ، وفي معظم الأحيان قد يكون هذا الخوف غير مبرر من ردة الفعل الامريكية.
اذا اردنا ان نحيا كراماً فلا يمكن ابداً ان نستسلم لهذه المخاوف والارادات الأجنبية التي تريد للعرب والمسلمين ان يكونوا تحت القبضة والهيمنة الصهيونية وان يكون النفوذ الأجنبي هو المسيطر على مجتمعاتهم ، ما يحدث في غزة اليوم قد يكون هو الشرارة التي تنطلق منها الدول العربية والإسلامية لنيل حريتها واستقلالها واستعادة سيادتها .
الجيل الفلسطيني الشاب
@ ما رؤيتكم لدور الجيل الفلسطيني الشاب في الخارج، في قيادة المرحلة القادمة من النضال؟
•• مما لا شك فيه ان الشعب الفلسطيني والذي يعيش اكثر من نصفه والذي يتعدى السبعة ملايين في خارج فلسطين اصبح جزء من هذه المواجهة الشاملة ضد الحركة الصهيونية ، ولكن لا يمكن اذا كان الهدف النهائي هو في تفكيك هذا النموذج الاستعلائي العنصري الذي يريد ان يسيطر ويهيمن على هذه المنطقة ، لا يستطيع الجيل الفلسطيني وحده ان يقوم بتفكيك هذا المشروع .
هذا المشروع هو خطر استراتيجي وامني ومستقبلي على كل المنطقة ، نعم الفلسطينيون هم اول الضحايا ولكن لن يكونوا اخر الضحايا ، هذا المشروع هو خطر على الجميع ، رأينا كيف انهم يضربون كل الدول الان وكل المجتمعات بلا أي مراعاة لأي قوانين دولية ، فهم يتحدثون عن عدة جبهات ، يضربون في غزة وفي الضفة ولبنان وسوريا وفي العراق واليمن وايران وحتى في تونس وقطر.
هذا النوع من الاستكبار والغطرسة الإسرائيلية لا يمكن ان يواجهه فقط الشباب الفلسطيني ، هذه معركة أمة والجميع يجب ان ينخرط فيها ، القضية ليست قضية فلسطين بقدر ما هي مواجهة الكيان الإسرائيلي وهي قضية خطورتها على كل المنطقة وتتجاوز الموضوع الفلسطيني ولكن لا يمكن ان ينتصروا في فلسطين لان انتصارهم وسيادتهم لا سمح الله اذا كان هناك غلبة كاملة وشاملة وتهجير للشعب الفلسطيني فهذا سيمدهم بالقوة التي فيها سيهيمن على المنطقة .
لذلك الدور الأكبر للفلسطيني اليوم ، هو البقاء على ارضه والتأكد ان هذا الصراع سيستمر ، لأن استمرار الصراع هو للضمانة الأكبر ، لان هذا الكيان يمكن ان يضعف ويتفكك وهذا دور الجميع.
التحولات الأخيرة في المواقف
@ كيف تقيمون التحولات الأخيرة في مواقف بعض الدول الأوروبية تجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟ وهل تمثل تحولًا جذرياً أم مؤقتاً؟
•• التحولات الأخيرة في مواقف بعض الدول الأوروبية هو نتيجة(ليس فقط) الصلف والاستكبار والابادة التي تحدث في غزة اليوم من قبل الكيان الإسرائيلي ، ولكنه نتيجة مباشرة للتحول الكبير الذي يتم داخل الان في هذه المجتمعات على مستوى الجماهير وعلى مستوى المؤسسات الشعبية.
هذه المؤسسات وهذه الجماهير أصبحت تطالب من حكوماتها بأخذ مواقف مبدئية فيما يتعلق بحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، هذا أدى الى انهم يريدون ان يسحبون هذه القوة الشعبية باتجاه ليس مواجهة الكيان الصهيوني لإيقاف حربه وإيقاف هذه السياسات الظالمة وانما نحو مسار سياسي.
حتى الان ثبت انه ليس وراءه أي نوع من الضغوط لتحقيقه ، هذه الاعترافات بالدولة الفلسطينية هي مسألة رمزية مهمة ولكنها لن تسفر على بناء دولة فلسطينية ، وهذا التحول يعني ان التحول على المستوى الشعبي هو جذري وعلى مستوى الحكومات انما هو محاولة على امتصاص مثل هذه التحولات الجذرية ومواقف الشعوب حتى لا تفرض عليها المواجهة الحتمية والشاملة والمباشرة مع الاحتلال الصهيوني والسياسات الإسرائيلية الظالمة.
حماس وخطة ترامب
@ كيف تقيّم رد حركة حماس على (خطة ترامب) للسلام في الشرق الأوسط؟ وما هي النقاط التي ترونها غير مقبولة في هذه الخطة من وجهة نظر حماس؟
•• رد حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل على خطة ترامب انها نظرت اليها كنوعين من المسارات ، هناك أمور كانت حركة حماس تفاوض عليها منذ بداية طوفان الأقصى وهي متعلقة بقضية تبادل الاسرى الإسرائيليين مع الاسرى الفلسطينيين ولكن من خلال شروط تتمثل بخمسة نقاط ، وهي وقف حرب الإبادة والانسحاب الإسرائيلي من غزة وإدخال المساعدات وتبادل الاسرى من خلال اخراج الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية لا سيما أصحاب المؤبدات والمدد الطويلة والإعمار ووقف التهجير .
هذا النوع والذي بعضه موجود في خطة ترامب يمكن ان تفاوض عليه حماس ، رد حماس كان يقول ان هذه الامور ممكن نفاوض عليها بل كنا قد تفاوضنا عليها منذ اكثر من سنة من خلال الاتفاقية الأولى في شهر نوفمبر 2023م الى الاتفاقيات المختلفة التي بعضها نُفّذ وبعضها انتهكته إسرائيل وبعضه لم يُنفّذ أصلا حتى بعد قبول الحركة عليها لان الكيان الصهيوني لا يريد ان يصل الى اتفاق بل يريد ان يطرد الشعب الفلسطيني وان يفرض خطته في تهجير اهل غزة وإقامة إسرائيل الكبرى ومحاولة التعامل مع الديمغرافيا الفلسطينية التي يراها مهدداً وجودياً له .
هذه النقاط وهي تفاوض مع الاحتلال والأطراف الأخرى التي تؤيده من خلال الوساطات القطرية والمصرية والأمريكية ومقايضة الرهائن والأسرى لتحقيق الخمسة اهداف هي مقبولة ، اية أمور أخرى فيما يتعلق بالتهجير او تسليم السلاح .
هذه قضايا يجب ان يقوم بها الكل الفلسطيني وليس من حق حماس وليس عندها تفويض بأن تفاوض على هذه المسائل وهذا ما قالته الحركة ، نحن لا نريد ان نكون جزءاً من حكم غزة بعد انتهاء الحرب انما نريد ان نكون جزء من الكل الفلسطيني الذي سيقرر كل هذه الأسئلة فبالتالي لا لترامب ولا لغيره ان يقرروا في مستقبل غزة فهذا امر متروك للشعب الفلسطيني كله ومنه حركة حماس ، ولن تقبل حماس ولن يقبل أي فصيل آخر ان يسلم أسلحته.
ان الامر (خط احمر) لا يمكن لاحد ان يفرضه على الشعب الفلسطيني وعندنا تجارب تاريخية مريرة في هذه المسألة ، انما الأسئلة الكبرى متعلقة في مستقبل غزة ومستقبل القضية الفلسطينية وسيقررها الكل الفلسطيني بكل فصائله وتوجهاته ونخبة الفكرية والسياسية والشعب ككل.
مستقبل القضية الفلسطينية
@ هل تعتقد أن (خطة ترامب) ستؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية؟
•• هذا الى حد كبير يعتمد على كيف سيتم التعامل معها ليس فقط على المستوى الفلسطيني ولكن ايضاً على المستوى الإقليمي والدولي ، والجميع يعرف ان خطة ترامب هي ضد منطق التاريخ وضد القانون الدولي وضد كل القرارات الأممية السابقة وضد إرادة الشعب الفلسطيني وما هي الا تنفيذ للخطط الإسرائيلية خصوصاً اليمين الإسرائيلي وبالتالي باعتقادي ان هذه الخطة لن تمر ولن تستطيع ان تصل الى أي من أهدافها.
لأن أهدافها المعلنة هي ضد منطق التاريخ والعدالة رغم المحاولات بفرضها بقوة الحديد والنار ، والوضع العربي والإسلامي وضع ضعيف ولكن بنفس الوقت اذا تملكت الإرادة الشعبية في هذه المنطقة خصوصاً الوضع الفلسطيني لن يستطيع ترامب تمرير خطته .
فقد حاول ترامب في 2020م من خلال ما سمي بالاتفاقيات الابراهيمية لفرض هذه الرؤية على المنطقة من خلال ما عرف بصفقة القرن وفشل رغم اعترافه بالقدس كعاصمة للمحتل ورغم اعترافه بسيادة الكيان على الجولان ، كل هذه المسائل لم تصبح قانوناً ولم يصدر أي تأييد عالمي لها ، وما زال القانون الدولي والوضع العالمي هو مع إيجاد حل يرفض الاحتلال الإسرائيلي ويرفض عدم قبول المهجرين الفلسطينيين بمعنى اخر ان هناك حق عودة للفلسطينيين لا بد كل هذه الأمور التي تريد خطة ترامب ان تتجاوزها ان تكون جزء من أي حلول مستقبليه .
@ كيف تقيّمون محاولات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، رغم سياساته المثيرة للجدل في الشرق الأوسط؟
•• انا لا أتصور ان اللجنة المسؤولة عن الجائزة يمكن ان تعطيها لترامب ، لان ترامب لم ينجح في أي منطق رغم مبالغاته في هذه المسألة ، ترامب منذ ان اصبح رئيس لم يحل أي مشكلة على مستوى العالمي انما هو يريد ان يقول انه استطاع ان يكون مؤثراً في بعض المسائل في حين ان الذي يدرس هذه القضايا حول العالم يعرف ان هناك أسباب أخرى ليس لها علاقة بهذه الشخصية ، ترامب انسان مريض مخادع كاذب يدعي أشياء ليست له والأكثر من ذلك فيما يتعلق بغزة والقضية الفلسطينية فهو الذي يعطي الطرف الإسرائيلي كل أنواع الأسلحة الفتاكة التي تقتل عشرات الألوف من الأطفال والنساء والعجائز، والتي هدمت غزة وتريد ان تفرض الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة رغم ان الوضع ليس هو حالة حرب انما حالة إبادة وترامب يمهد لها ويحميها ، ويعطي الفيتو في مجلس الامن ويحمي الطرف الإسرائيلي ويحمي المجرم المطالب لدى العدالة الدولية ، وهو الذي يضرب كل الأصوات في بلده التي تناصر الحق الفلسطيني والشعب الفلسطيني من خلال استخدام الأدوات الحكومية لإسكات مثل هذه الأصوات .
،فكيف ينال مثل هذا الشخص جائزة تسمى جائزة السلام وهو يمهد لقتل وإخراج وتهجير الشعب الفلسطيني ، كذلك اذا رأينا بقية القضايا ، نرى انه يعتمد على القوة الغاشمة في تحقيق أهدافه رغم انه غير مستوعب لكثير من التحديات ، وهو ايضاً الذي يحمي الباطل الإسرائيلي وكيف كان يحاول ضرب الحوثيين وقتل المئات منهم وضرب ايران وهناك محاولات لفرض الهيمنة في لبنان وسوريا ، هذا النوع من الشخصيات التي تناصر الباطل الإسرائيلي في كل مكان وتدافع عنه لا يمكن ان تنال جائزة نوبل لا للسلام ولا لغير السلام .
خطوط حمراء واستفزاز
@ العدوان الإسرائيلي على الدوحة”، كيف ترى هذا التجاوز للخطوط الحمراء والاستفزاز السافر للدور القطري كوسيط نزيه يسعى الى إحلال السلام والتهدئة ؟
•• كل شيء مستباح لدى الاسرائيليين وليس عندهم أي اعتبار لاي قوانيين دولية ولا معاهدات ، هذا كيان مارق لا يعتبر نفسه مُلزم بأي من هذه الأعراف والتقاليد الدبلوماسية والاتفاقات الدولية وهو يعتمد على هذا النوع من الصلف والغطرسة والقوة الغاشمة ، واثبت ذلك طيلة السنتين الماضيات بل قبل ذلك بكثير ، وهو يعتمد على الحماية الامريكية وعلى التواطؤ الأمريكي المستدام .
لذلك ليس غريباً لما فعلوه وقد ضربوا العديد من الدول كما رأينا في اليمن تونس ايران ولبنان وسوريا بالإضافة الى ما يفعلونه في الضفة وغزة ، هذا التجاوز للخطوط الحمراء هو دليل آخر ، ان هذا العدو لا يمكن ان يكون بتشكيلته الحالية بكيانه ومؤسساته بفكرته وأيدولوجيته جزء من هذه المنطقة ولا بد من تفكيكه رغم فارق القوة ، اذا استمرت الشعوب والدول والأنظمة في هذه المنطقة تلفظه وترفضه فلا يكون له الا ان يتفكك كما تفكك في السابق أنظمة كانت مارقة وظالمة مثل نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا في الثمانينات.
وكذلك كثير من الأنظمة تفككت عندما اتحد العالم ورفضها مثل النازية وغيرها .
ترامب والأمر التنفيذي
@ كيف تنظرون إلى توقيع الرئيس الأمريكي ترامب لأمرٍ تنفيذي يُلزم الولايات المتحدة بضمان أمن دولة قطر ضد أي هجوم؟
•• بعد ان ضرب العدو الإسرائيلي قطر في وجود اكبر القواعد العسكرية الامريكية خارج اميركا ، هذا كان يعني فشل امريكي فيما كان يجب ان يقوم به وهو التصدي لهذا العدوان لان هناك تعهد امريكي مع وجود هذه القاعدة بأن يكون هناك حماية لقطر وبالتالي جاء هذا التوقيع الأمريكي للتأكيد على ان مثل هذه العمليات لن تتكرر .
وهناك إحساس كبير جداَ لدى المنطقة ولدى الشعوب ان هناك تواطئ لا شك فيه امريكي مع العدو الإسرائيلي في ضرب قيادات حماس على ارض قطر ، وبالتالي هو أراد ان يزيل مثل هذه الأمور ليقول لقطر انه في توقيع هذا الامر التنفيذي ان هناك سيكون تعهد امريكي بعدم السماح لاي جهة خارجية سواء إسرائيل او غيرها للتعدي على امن قطر وسيادة قطر لا سيما ان هناك مصالح أمريكية مهمة في وجود اكبر القواعد العسكرية وبالتالي هل هذا يكفي ، هو لا يكفي حقيقةً ولكنه جزء مما يجب ان يقوم به الرئيس الأمريكي انه لا يمثل تعهداً دائماً انما هو تعهد رئاسي بمعنى انه لم يكن قانوناً مشرعاً في مجلس الشيوخ في مثل هذه الأمور كما في النيتو مثلاً ، وانما هو ضمانة هذا الرئيس .
وقد يتغير عند هذا الرئيس او في رؤساء مستقبلاً ، ولذلك لا بد لقطر والمنطقة ان يكون لديها خيارات أخرى في الرد على التحدي الإسرائيلي ليس فقط من خلال الدعم الأمريكي انما من خلال إيجاد قوة إسلامية وعربية تكون مستعدة للتصدي ضد أي اعتداءات إسرائيلية مستقبلية.



