أصدرت محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات، توجيها إجرائيا بشأن الاستخدام المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي، والذي يتعيّن على المتقاضين وممثليهم القانونيين الالتزام بأحكامه وضوابطه عند الحضور والمرافعة أمام المحكمة ومحكمة التنظيم.
وقالت محكمة قطر الدولية إن “التوجيه الإجرائي رقم 1 لسنة 2026″، جاء في إطار ما توليه من عناية خاصة لإحكام الرقابة على ما يُقدَّم إليها من مستندات ومذكرات قانونية، وتنظيم آليات الاستناد إلى المراجع والمصادر القانونية، وإلزام المحامين بالتثبت الشامل من صحة جميع تلك المصادر قبل تقديمها إلى المحكمة، ولا سيما عند استخدام الأدوات التقنية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وذلك صوناً لثقة المتقاضين في المنظومة القضائية، وحفاظاً على مبدأ المشروعية الإجرائية الذي يُعدّ من ركائز العدالة وضمانات التقاضي.
وأشارت المحكمة إلى أن إصدار التوجيه جاء عقب صدور حكم الدائرة الابتدائية بها في الدعوى رقم: [2025] QIC (E) 3، حيث خلصت المحكمة في حيثيات حكمها إلى أن الاستدلالات التي قدمها محامي المدعى عليه، والتي ارتكزت على سوابق قضائية ثبت لاحقا عدم وجودها، لم تكن مجرد هفوة بحثية أو خطأ مهني عابر، بل جسّدت سلوكا افتقر إلى مقتضيات الشفافية، وهدف إلى تضليل المحكمة بوجود مراجع وسوابق قانونية غير قائمة. وقد اعتبرت المحكمة هذا الفعل يتجاوز حدود الإهمال المهني ليشكل فعلا مقصودا يخل بالنزاهة ويعيق حسن سير العدالة.
وأوضحت أن هذا الحكم شكّل سابقة قضائية، هي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واستأثر باهتمام دولي واسع بالنظر إلى القضايا القانونية التي أثارها فيما يتعلق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية. كما استعرض الحكم أبرز السوابق القضائية المقارنة في هذا المجال، بما في ذلك القضايا الصادرة في إنجلترا وويلز والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
وقد بيّنت المحكمة أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية أصبح واقعاً عملياً فرضته مستجدات بيئة العمل الحديثة، وهو توجّه محمود لما يوفّره من خفض للنفقات ورفع لكفاءة الأداء، غير أن ذلك مشروط بمراعاة مقتضيات الأمانة المهنية، والضوابط الأخلاقية، وأحكام القانون.
وقد نص التوجيه الجديد على مسؤولية المحامين عن دقة وصحة وسلامة ما يقدّمونه من مذكرات ومستندات، وفرض عليهم واجب التحقق من المعلومات الواردة فيها، وصحة الاستدلال القانوني، وخلوّ ما يقدَّم للمحكمة من أي خطأ أو تضليل أو تدليس.
كما شدّد التوجيه على ضرورة صون السرية والخصوصية، وحظر إدخال أي بيانات سرية أو خاضعة للحماية القانونية في أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة للعامة، حيث إن مخالفة هذا الحظر من شأنه تعريض المخالف للجزاءات التأديبية المقررة قانوناً.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد أوضح التوجيه الإجرائي أن الإفصاح المسبق عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد المذكرات لا يُعد واجباً إلا إذا طلبت المحكمة ذلك صراحة، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بمبدأ الشفافية، بحيث يتعيّن على المحامي الذي استخدم هذه الأدوات بيان الأجزاء التي استعان في إعدادها بالذكاء الاصطناعي متى طُلب منه ذلك، وشرح الخطوات التي اتخذها للتحقق من دقتها واتساقها مع المعايير المهنية الواجبة.
وبهذه المناسبة، أكد السيد فيصل بن راشد السحوتي الرئيس التنفيذي لمحكمة قطر الدولية أن إصدار هذا التوجيه الإجرائي يعكس حرص المحكمة على مواكبة التطورات التقنية الحديثة في مجال التقاضي، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن إطار من الانضباط القانوني والمسؤولية المهنية، وبما يضمن نزاهة الإجراءات القضائية وتعزيز ثقة المتقاضين في منظومة العدالة.




