قطر… دولة بحجم القيم

الاستاذ الدكتور قيس عبدالعزيز الدوري
مؤرخ ومستشار أكاديمي

في اليوم الوطني لدولة قطر، لا نحتفل بذكرى التأسيس بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل نستحضر مسارًا أخلاقيًا وإنسانيًا تشكّل عبر عقود، حتى غدت قطر نموذجًا لدولةٍ اختارت أن يكون وزنها الحقيقي في ميزان القيم لا في خرائط المساحة.

إن الحديث عن قطر هو حديث عن قيادةٍ سياسية آمنت بأن السيادة لا تكتمل إلا بالعدل، وأن القوة لا تُقاس بالبطش بل بالقدرة على حماية الإنسان، وأن الدولة الحقيقية هي التي تكون ملاذًا للمظلوم لا سيفًا مسلطًا عليه. من هنا، لم تكن قطر في مواقفها مجرّد لاعبٍ سياسي، بل ضميرًا حيًا في عالمٍ يزداد قسوةً وبرودة.
في زمنٍ يكثر فيه الصمت،
كانت قطر صوتًا.
وفي زمنٍ يكثر فيه الخذلان،
كانت قطر ظهرًا وسندًا.
وفي زمنٍ يكثر فيه الظلم،
كانت قطر إجارةً، ووفاءً للتاريخ والإنسان.
لقد احتضنت قطر المعنى قبل أن تحتضن الأشخاص؛ احتضنت معنى الكرامة الإنسانية، ومعنى نصرة الحق، ومعنى أن تظل الدولة وفيّة لمبادئها مهما اشتدت الضغوط. فكانت سياستها الخارجية امتدادًا لأخلاقها، وكانت مبادراتها الإنسانية شاهدًا على أن القيم يمكن أن تكون سياسة، وأن الرحمة يمكن أن تكون قرارًا سياديًا.
واليوم الوطني القطري هو مناسبة لتجديد العهد مع هذا النهج؛ نهج المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، الذي أرسى دعائم دولةٍ مستقلة القرار، واضحة الهوية، راسخة المبادئ. وهو أيضًا مناسبة للاعتزاز بقيادةٍ واصلت المسيرة، فحافظت على الاستقلال، وصانت الكرامة، وجعلت من قطر وطنًا يُفخر به، واسمًا حاضرًا باحترامه في المحافل الدولية.
كما أن هذا اليوم هو تحية للشعب القطري، الذي شكّل مع قيادته نسيجًا متماسكًا، جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الوفاء للجذور والطموح للمستقبل. شعبٌ أدرك أن الانتماء الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالعمل، وبالالتفاف حول مشروع وطني إنساني جامع.
قطر اليوم ليست دولة تبحث عن دور، بل دولة تصنع أثرًا. ليست دولة تساوم على قيمها، بل دولة تثبت أن القيم يمكن أن تنتصر. ومن هنا، فإن الاحتفال باليوم الوطني هو احتفال بفكرة:
فكرة أن تكون الدولة عادلة، شجاعة، رحيمة…
وأن يكون الوطن، كما كانت قطر دائمًا،
بحجم القيم… لا بحجم الجغرافيا.

كل عام وقطر قيادةً وشعبًا في عزٍّ وكرامة،
وكل عام وهي إجارة للمظلومين، وملاذًا للإنسان،
ونبراسًا يؤكد أن التاريخ لا يكتبه الأقوياء وحدهم،
بل يكتبه العادلون .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى