تتجه الولايات المتحدة إلى إطالة أمد وجودها العسكري في الشرق الأوسط، في مؤشر جديد على أن الحرب مع إيران لم تعد تُدار وفق جدول زمني واضح للانتهاء، بل وفق استراتيجية تترك الباب مفتوحاً أمام خيارات عسكرية وسياسية متعددة.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث قرر تمديد انتشار قوات أميركية في المنطقة إلى عام 2027، في خطوة تهدف، وفق مصادر مطلعة، إلى إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة أمام الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع إيران.
ويأتي القرار في وقت تجاوزت فيه العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران ستة أشهر، مع بقاء أكثر من 50 ألف جندي أميركي في حالة انتشار أو تأهب في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يحوّل الوجود العسكري الأميركي من انتشار مرتبط بأزمة محددة إلى وضع أقرب إلى التموضع طويل الأمد.
لكن قرار التمديد يكشف في الوقت نفسه عن خلافات متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية بشأن كلفة استمرار الحرب، فقد أفادت تقارير بأن قادة كباراً في القوات الأميركية أبدوا اعتراضات رسمية على تمديد انتشار وحداتهم، محذرين من أن استمرار العمليات يستنزف السفن والطائرات والذخائر ويؤثر في قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع تهديدات أخرى في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وكانت قيادة البحرية من بين أكثر الجهات تحذيراً؛ إذ أبلغ رئيس العمليات البحرية، الأميرال داريل كودل، هيغسيث بأن البحرية تواجه صعوبة في الحفاظ على مستوى الدعم الحالي للحرب في ظل غياب موعد واضح لنهايتها. كما أشار إلى أن جاهزية المدمرات الأميركية تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فيما باتت عمليات الصيانة وتوفير السفن لمهام أخرى أكثر صعوبة.
ولم تقتصر التحذيرات على البحرية، فقد أبدى قادة القيادة الأوروبية والقيادة الجنوبية اعتراضهم على استمرار سحب سفن وطائرات ومعدات من مناطق مسؤوليتهم لدعم العمليات في الشرق الأوسط، معتبرين أن ذلك يحد من قدرتهم على تنفيذ مهامهم الأساسية والحفاظ على مستوى التدريب والجاهزية المطلوبين.
أما الجيش والقوات الجوية، فوافقا على تمديد انتشار بعض القوات، لكنهما حذرا في الوقت ذاته من المخاطر التي قد تترتب على استمرار هذا الوضع. ومن بين القوات التي قد يمتد انتشارها إلى العام المقبل عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً، إلى جانب وحدات الدفاع الجوي التي تشغّل منظومات «باتريوت».
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ضوء الاستنزاف الذي أصاب المخزونات العسكرية الأميركية خلال الحرب، ولا سيما صواريخ الاعتراض «باتريوت» و«ثاد»، وصواريخ «توماهوك»، فضلاً عن الخسائر التي لحقت بأسطول الطائرات المسيّرة.
وترى الصحيفة أن تمديد الانتشار حتى 2027 لا يمثل مجرد قرار لوجستي يتعلق بمواعيد عودة القوات، بل يحمل دلالة استراتيجية أوسع: واشنطن تستعد لحرب بلا نهاية زمنية واضحة، أو على الأقل تريد الاحتفاظ بالقوة الكافية لمنع تحول أي وقف لإطلاق النار مع إيران إلى انسحاب أميركي كامل.
وفي المقابل، يضع القرار إدارة ترامب أمام معادلة صعبة؛ فكلما طال بقاء القوات، ارتفعت كلفة الحرب على الجيش الأميركي، وزادت الضغوط على الجاهزية العالمية للقوات، بينما يصبح الانسحاب في المقابل أكثر صعوبة إذا بقيت إيران قادرة على تهديد المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.




