في إطار دبلوماسيتها للسلام.. قطر تتصدر جهود نزع السلاح النووي دوليا وإقليميا

في عالم تتسارع فيه سباقات التسلح وتتصاعد التوترات الجيوسياسية وتلوح مخاطر الاستخدام العرضي أو المتعمد للأسلحة الأكثر تدميرا في تاريخ البشرية، تبرز دولة قطر كصوت قوي ثابت وفاعل يدعو بإصرار إلى نزع السلاح النووي الكامل والشامل، حرصا منها على الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

وتأكيدا على دعمها وتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الأمم المتحدة وإسناد جهودها للحفاظ على السلام العالمي، انضمت دولة قطر إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1989، مجددة بذلك التزامها بالعمل مع المجتمع الدولي من أجل الإزالة الكاملة للأسلحة النووية، وتحقيق السلم والأمن الإقليمي والدولي، ومؤكدة أهمية الالتزام الصارم والتام بجميع التعهدات وتنفيذ الالتزامات القانونية المترتبة على الاتفاقيات الدولية في مجال نزع السلاح النووي وعدم انتشاره.

ومنذ انضمامها إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لم تكتف قطر بالالتزام القانوني، بل حولت هذا الالتزام إلى سياسة وطنية نشطة ودبلوماسية مستمرة، وتجدد في كل محفل دولي دعوتها إلى القضاء التام على هذه الأسلحة على أساس أن هذه الخطوة هي الضمان الوحيد لمنع استخدام هذه الأسلحة أو التهديد بها، وفي الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط تحديات أمنية معقدة، تضع الدوحة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في صدارة أولوياتها الإقليمية، مؤكدة أن الأمن الجماعي والاستقرار المستدام لا يتحققان إلا بنزع هذا السلاح الفتاك.

وقد تم اعتماد معاهدة حظر الأسلحة النووية، في 7 يوليو 2017، ودخلت حيز النفاذ في 22 يناير 2021، لتكون أول معاهدة دولية ملزمة تحظر بشكل شامل تطوير الأسلحة النووية وإنتاجها وامتلاكها ونقلها واستخدامها أو التهديد باستخدامها، بالإضافة إلى المساعدة في أي من هذه الأنشطة، وتهدف إلى تعزيز المعيار القانوني ضد هذه الأسلحة ودعم هدف نزع السلاح النووي الكامل. 

وقد صوتت قطر لصالح اعتماد المعاهدة في مؤتمر التفاوض بالأمم المتحدة عام 2017، وشاركت في المفاوضات نفسها، وتتوافق سياسات قطر وممارساتها تماما مع جميع المحظورات الواردة في المعاهدة وتشمل: عدم التطوير أو الإنتاج أو الامتلاك أو الاختبار أو النقل أو الاستخدام أو التهديد بالاستخدام أو المساعدة أو السماح بنشر الأسلحة النووية. 

وفي بياناتها الرسمية، كمؤتمرات نزع السلاح أو الجمعية العامة أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تشدد قطر على أن وجود الأسلحة النووية يشكل تهديدا كارثيا، وتدعو إلى القضاء التام عليها. وفي فبراير الماضي شاركت دولة قطر في “الجزء رفيع المستوى” لمؤتمر نزع السـلاح المنعقد بجنيف، وأكدت أن النظام الدولي يمر بمرحلة دقيقة تتسم بتزايد النزاعات المسلحة، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتصاعد الاستقطاب والتنافس الجيوسياسي، إلى جانب تسارع برامج التحديث النووي وإدماج التقنيات الناشئة في الأنظمة العسكرية وتنامي مخاطر تسليح الفضاء الخارجي، بما يضع بنية نزع السلاح وعدم الانتشار النووي أمام تحديات غير مسبوقة.

وأوضحت أن عام 2026 يمثل محطة مهمة للنظام النووي العالمي مع انعقاد المؤتمر الحادي عشر لاستعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تعد حجر الزاوية في النظام العالمي لعدم انتشار الأسلحة النووية، والأساس الجوهري للسعي نحو نزع السلاح النووي، مشددة على أن نزع السلاح ليس خيارا سياسيا فحسب، بل ضرورة إنسانية وأمنية وتنموية.

وفي أبريل الماضي، أكدت دولة قطر على أهمية التنفيذ الصارم للالتزامات المترتبة على الاتفاقيات الدولية في مجال نزع السلاح النووي وعدم الانتشار. جاء ذلك في بيان دولة قطر الذي ألقته سعادة الشيخة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة ورئيس وفد دولة قطر المشارك في مؤتمر استعراض الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، أمام المناقشة العامة للمؤتمر الاستعراضي للدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2026، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

وأكدت سعادتها أن معاهدة عدم الانتشار النووي تعتبر حجر الزاوية في النظام الدولي لنزع السلاح وعدم الانتشار، وأداة أساسية لتحقيق الأمن الجماعي، الأمر الذي يتطلب الالتزام الكامل والمتوازن وغير الانتقائي بتنفيذ ركائزها الثلاث، مشيرة إلى أن مؤتمر الاستعراض يساهم في تركيز الجهود لتحقيق الأهداف المحددة في هذه المعاهدة المهمة.
وشددت المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة على أهمية مضاعفة الجهود وإظهار إرادة سياسية حقيقية لإحياء التوافق الدولي للوصول إلى مخرجات ونتائج تساهم في تحقيق أهداف مؤتمر الاستعراض وبما يحقق الأمن الدولي، مع التأكيد على أهمية تقديم الدول الحائزة على الأسلحة النووية التزامات ملموسة ومحددة زمنيا بالقضاء التام والكامل على تلك الأسلحة، وفقا للمادة السادسة من معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي الأول من مايو الماضي، جددت دولة قطر التزامها بالعمل نحو شرق أوسط خال من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، مشددة على أن القضاء التام على الأسلحة النووية هو الضمان الوحيد لعدم استخدامها أو التهديد باستخدامها، وأكدت أمام اللجنة الرئيسية الأولى المعنية بنزع السلاح في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، أن نزع السلاح النووي، باعتباره من الركائز الثلاث لمعاهدة عدم الانتشار، يمثل الخطوة الأساسية في إطار جهود المجتمع الدولي للقضاء على الأسلحة النووية والتخلص من مخزونات وبقايا تلك الأسلحة، ونبهت إلى أن المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تمثل التزاما قانونيا واضحا على الدول الحائزة للأسلحة النووية بالشروع بحُسن نية في مفاوضات جدية تفضي إلى نزع السلاح النووي بشكل كامل، وقالت إن استمرار وجود قدرات نووية عسكرية خارج أي إطار دولي للتحقق أو المساءلة يقوض الثقة، ويغذي سباقات التسلح، ويخلق بيئة أمنية هشة ومعرضة للتصعيد. 

وفي سبتمبر الجاري، دعت دولة قطر إلى تكثيف الجهود الدولية من أجل النزع التام والكامل للأسلحة النووية، مؤكدة أن تحقيق هذا الهدف يمثل مسؤولية إنسانية وضرورة أخلاقية، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة وسباق التسلح النووي وتزايد اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية.
وقد جاء ذلك في كلمة دولة قطر التي ألقاها سعادة الدكتور أحمد بن حسن الحمادي، الأمين العام لوزارة الخارجية، أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية المنعقدة حاليا في فيينا. 

وأشار سعادة الأمين العام لوزارة الخارجية إلى التحديات الجسيمة التي تواجه السلم والأمن الدوليين في ظل زيادة الاستقطاب والخلافات الجيوسياسية وتعدد النزاعات المسلحة، لا سيما استمرار الأعمال العدوانية للاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، والأزمة القائمة في الخليج العربي ومضيق هرمز، فضلا عن تسارع سباق التسلح النووي وتغيير العقائد النووية في عدد من الدول الحائزة على الأسلحة النووية باتجاه تقليل القيود المفروضة على استخدامها.
وأكد سعادته ضرورة تنشيط العمل المشترك لمواجهة الأخطار بمسؤولية عالية من خلال تعددية الأطراف، ودعم المنظومة الدولية المعنية بالحد من التسلح ونزع السلاح، التي تمثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حجر الزاوية فيها، إلى جانب دعم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصفتها صمام أمان في مواجهة تراجع احترام المعايير والقواعد الحاكمة في المجال النووي.

ولفت سعادته إلى توقيع دولة قطر، ممثلة بصندوق قطر للتنمية، اتفاقية دعم بقيمة 600 ألف دولار لمشاريع الوكالة ضمن مبادرة “أشعة الأمل”، تشمل تعزيز قدرات العلاج الإشعاعي في الجمهورية العربية السورية.
كما أكد سعادته التزام دولة قطر الكامل بأهداف نزع السلاح النووي ومنع انتشار الأسلحة النووية والاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، مشيرا إلى أن قطر تعتبر الوكالة شريكا أساسيا في توسيع نطاق التطبيقات السلمية للعلوم والتقنيات النووية وتعزيز الأمن النووي والإشعاعي في الدولة.

وفي سياق سياساتها الهادفة لنزع الأسلحة، دشنت قطر عام 2012 مركز قطر الإقليمي للتدريب لحظر الأسلحة، الذي يعتبر الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط وآسيا، وفيما يتعلق باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، حرصت دولة قطر على الانضمام للاتفاقية، تأكيدا لسياستها في الوفاء بالتزاماتها في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله، ومساهمتها مع دول العالم المحبة للسلام، في استقرار البشرية وأمنها ورخائها. وتلبية لمتطلبات المادة السابعة من الاتفاقية الخاصة بالتدابير الوطنية، أنشأت دولة قطر اللجنة الوطنية لحظر الأسلحة، لتكون الجهة الدائمة المنوط بها تقديم المشورة إلى الجهات الحكومية المختصة، وذلك في كل ما يتصل بالمسائل المتعلقة بحظر الأسلحة بجميع أنواعها، بما في ذلك الأسلحة النووية، والبيولوجية، والسامة، والكيميائية، والتقليدية.

وفي نوفمبر 2012، أطلقت قطر “مركز الدوحة الإقليمي للتدريب على الاتفاقيات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل”، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ليقدّم خدمات تدريبية على المستويين الوطني والإقليمي في مجالات التحقق والتفتيش والامتثال، كما تشارك وتدعم بانتظام مؤتمرات نزع السلاح في دوراتها المتعاقبة.

الجدير بالذكر، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تأسست عام 1957 ضمن منظومة الأمم المتحدة، ومقرها الرئيسي في فيينا، وتضم حاليا حوالي 180 دولة عضوا، وتهدف إلى تحقيق توازن بين تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومنع تحويلها إلى أغراض عسكرية، وتُعتبر “صمام أمان” أمام تراجع الالتزام بالمعايير النووية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى