وسام العامري
بلغت ترمومتر الشيطنة مستويات قياسية في صفحات خصوم أردوغان التقليديين على وسائل الصحافة والسوشيال ميديا وكأن الأخير هو من أسس هذه العلاقات ولم يرثها ويأخذها بتركة سياسية ثقيلة للدولة التركية منذ سبعين سنة.! نعم.. فالدولة التركية لم تُقِم العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني منذ تولي رجب أردوغان كرسي رئاسة الوزراء سنة 2003م أو منذ توليه رئاسة الدولة عام 2014م، بل قامت العلاقات التركية الإسرائيلية منذ العام 1949م، أي بعد إعلان نشوء الكيان الصهيوني بعدة أشهر مباشرة وبأقل من سنة واحدة فقط، فكانت الدولة التركية حينها أول دولة مسلمة والوحيدة التي تعترف بالكيان الصهيوني في فترة الرئيس التركي الأسبق عصمت إينونو – ذروة هيمنة العلمانية الأتاتوركية الحادة على الدولة والمجتمع – وكانت رئاسة الأخير لتركيا هي آخر العهد لحزب أتاتورك (حزب الشعب الجمهوري العلماني) في رئاسة الدولة التركية، ولم يصل الحزب بعدها إلى كرسي رئاسة الدولة عبر الصندوق إلى اليوم.
انتقلت بعدها العلاقات التركية الإسرائيلية لمراحل من المد والجزر وتعرضت لعدة عثرات وتوترات بما فيها تخفيض التمثيل الديبلوماسي التركي في تل أبيب وطرد السفراء ووصول العلاقات إلى مرحلة شبه القطيعة في عدة محطات من تاريخها قبل وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان وتسلمه زمام الأمر.
وقفت تركيا لجانب العرب عدة مرات وساندتهم بكل قوة ودون تردد، كما تمثل ذلك في موقف تركيا المعترض على العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م، وناصرت تركيا القضية الفلسطينية ونددت بحريق المسجد الأقصى عام 1969م، وفي العام 1975م كانت من الدول التي أيدت قرار الأمم المتحدة اعتبار الصهيونية نوعاً من أنواع التمييز العنصري، ونددت بإسرائيل وما تقوم به من انتهاكات بحق الشعب الفلسطيني في عدة محافل دولية ليس هنا المجال لسردها.
من خلال هذا الاستقراء السريع لتاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية نستطيع أن نستخلص الأمر وبشكل مبسط في نقطتين لا ثالث لهما: وهي أن العلاقات التركية الإسرائيلية ليست وليدة اللحظة بل هي موروثة منذ عهد سابق وبعيد، وأنها كذلك دائمة التوتر والتقلب ولم تستقر إلا في فترات قليلة جداً من تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية الممتد لأكثر من سبعين سنة.
الرئيس التركي رجب أردوغان براغماتي معتدل وسياسي متوازن وناجح من الطراز النادر الذي لم نألفه في عصر المعادلات الصعبة اليوم، ويمتلك قدرة فذة على السير في طريق مليء بالأشواك، واللعب على التوازنات بين القوى الإقليمية، دون التنازل عن الأسس والثوابت، ويعلم ماذا يفعل جيداً وكيف يتقدم ومتى يتأخر، وهو الذي يثق به عموم جماهير العرب والمسلمين من جاكرتا حتى نواكشوط، كونه لم يصعد لحكم شعبه عبر دبابة الجيش والانقلابات العسكرية، ويمثل شعبه المؤيد لقضايا الأمة الكبرى بصورة حقيقية ونابعة من إيمان صادق لا يتزعزع، ويعبرعن نبض الشارع التركي بكل موثوقية وأمانة ولا يخالف شعبه الذي ائتمنه على مقاليد الدولة وأمانة المسؤولية ومصالح شعبه وقضايا أمته.
- كاتب يمني




