عروبة القدس.. امتداد تاريخي يتحدى محاولات التهويد والإحلال – علي ابراهيم

تمتد جذور الوجود العربي في القدس إلى آلاف السنين، حيث نشأت المدينة على يد الكنعانيين العرب، وتطورت عبر مراحل تاريخية متعاقبة حافظت فيها على طابعها العربي رغم تعاقب القوى الحاكمة عليها. وفي هذا السياق، يهدف هذا المقال إلى تتبع الامتداد التاريخي للعرب في القدس، وبيان أثر هذا الامتداد في تشكيل هوية المدينة، في مواجهة التحولات التي فرضتها فترات الاحتلال المختلفة.

لقد بنى اليبوسيون مدينة القدس في حدود الألف الثالث قبل الميلاد، وهم بطنٌ من بطون الكنعانيين العرب، نُسبوا إلى جدهم “يبوس”، وقد سكن الكنعانيون أرض فلسطين من الألف الرابع قبل الميلاد. وتُشير الروايات التاريخيّة إلى أن الكنعانيين من عرب العمالقة، هاجروا من الجزيرة العربية تحت وطأة القحط وقلة الموارد، وسكنوا أرض فلسطين، وبنوا بعدها مدينة القدس.

ويُظهر هذا الامتداد التاريخي المبكر أن عروبة القدس لم تكن طارئة، بل تشكلت ضمن سياق حضاري متراكم سبق جميع التحولات السياسية اللاحقة. وقد أطلق اليبوسيون على مدينة القدس اسم “يبوس”، وفي عهد الملك اليبوسي “ملكي صادق” أطلق على المدينة اسم “أور سالم”، نسبة لإله السلام عند اليبوسيين، وفي عهد هذا الملك العربي، بدأت المدينة بالتوسع، وتطورت أهميتها ومكانتها، وقد قدسها اليبوسيون قبل مجيء العبرانيين إليها بزمن طويلٍ جدًا، وجعلوا في المدينة بيتًا لإلههم الأكبر.

ويرى عددٌ من المؤرخين بأن اسم المدينة في العبرانية “أورشليم”، هو تحريف لاسمها اليبوسي، وقد ورد اسم “أور سالم” أو “شالم”، في عددٍ من النقوش الفرعونيّة، قبل دخول العبرانيين لفلسطين بزمنٍ طويل جدًا. وتكشف هذه التسميات المبكرة عن دلالات حضارية ودينية، تعكس ارتباط المدينة بالبيئة الثقافية العربية القديمة، وتؤكد أن نشأتها لم تكن منفصلة عن محيطها الإقليمي.

اهتم اليبوسيون بالمدينة، واكتسبت من خلال موقعها المميز في بلاد الشام، وموقعها المرتفع عن سطح البحر والمطل على المدن والقرى حولها، وهو ما أكسبها مكانة استراتيجية، وأصبحت من مدن القوافل والتجارة، ومحطة أساسية في الحركة التجارية خلال تلك الفترة، وهي ميزة إلى جانب موقعها المحصن، دفعت نحو مزيد من تطور المدينة، وموقعها الحضاري المميز عند الكنعانيين.

لقد كان الوجود العبراني في المدينة وجودًا طارئًا، وكان اتصالهم الأول مع القدس مع بداية الألف الأول قبل الميلاد، فقد دخل عدد من العبرانيين مع قائدهم يوشع إلى فلسطين في عام 1150 ق.م، وتذكر التوراة بأنهم غرباء عن المدينة، فهي مدينة خالية من بني إسرائيل. وبعد هذا الدخول بدأت محاولات العبرانيين الدخول للقدس، ولم يفلحوا إلا في عهد سيدنا داود عليه السلام في 996 ق.م، وبقيت تحت سلطة العبرانيين حتى إزالة الملك البابلي نبوخذ نصر لمملكة يهوذا في عام 586 ق.م. وهو ما يشير إلى أن الوجود العبراني في القدس ظل محدودًا زمنيًا مقارنة بالامتداد الكنعاني العربي، ولم يتمكن من إحداث تحول جذري في هوية المدينة.

ويذكر المؤرخون بأن احتلال العبرانيين للقدس لم يلغِ الوجود الكنعاني العربي، بل حافظ الكنعانيون على وجودهم وكيانهم فيها، وقد تأثر العبرانيون بحضارة الكنعانيين العرب، فأخذوا عنهم العادات والتقاليد، وتأثروا كذلك باللغة واللهجات، ما يؤكد التفوق الحضاري للعرب حينها، ففي العمارة على سبيل المثال تأثر العبرانيون بشكلٍ كبير بالعمارة الكنعانية، ففي تتبع لوصاف “المعبد” الذي يزعمون بأن سليمان عليه السلام أقامه في القدس كما توردها التوراه، تتشابه هذه الأوصاف مع المعابد الكنعانية التي بنيت منذ الألف الثالث قبل الميلاد، من حيث تقسيم الغرف ومكان تقديم القرابين والمساحة الإجمالية، مع مبالغاتٍ شديدة أوردتها التوراه في العظمة والأبهة، والذهب المستخدم وغيرها، ويعكس هذا التأثر اختلال ميزان التطور الحضاري بين الطرفين، حيث كانت الحضارة الكنعانية أكثر رسوخًا وتنظيمًا.

ومنذ سقوط مملكة يهوذا، تقلبت المدينة من حكم الاسكندر المقدوني، ومن ثم إلى البطالمة، حتى استولى عليها الرومان عام 66 م، وهي فترات لم يكن الحكم خلالها للعرب، بل بقي العرب الكنعانيون عنصرًا أساسيًا من السكان، إن لم يكن العنصر الأكبر. وخلال الحكم الروماني للمدينة ثار من بقي من اليهود على الرومان، فقام طيطس بالقضاء عليهم، وفي عام 135 م أمر الامبطور “أدريانوس” بهدم المدينة وأخرج اليهود منها، وحرّم عليهم دخول المدينة بتاتًا، وأعاد الرومان بناءها، وأطلق عليها الإمبرطور اسم “إيليا” العظمى، وهو الاسم الذي تردد في عددٍ من المصادر العربية فيما بعد.

ويؤكد هذا الاستعراض التاريخي، بأن اليهود لم يكن وجودهم في القدس إلا وجودًا طارئًا، ولا يمت بصلة لتأسيس المدينة، ولم يدمحكمهم للمدينة لأكثر من قرنين أو ثلاثة على أكثر تقدير، ثم دخلوا في نزاعات شتت ملكهم وكسرت شوكتهم. وتؤكد هذه المعطيات بأن المكانة السياسية للقدس كانت خلال الحكم العربي لها، ومع احتلالها من قبل دول مختلفة ضعفت هذه المكانة، وتراجع تأثيرها، حتى جاء الفتح العربي الإسلامي للقدس.

وقد تمتعت مدينة القدس بمكانة مهمة في وجدان العرب المسلمين، وتضافرت أحاديث النبي r التي تظهر مكانة المدينة، وتؤكد على قدسيتها في ترابط وطيد مع الأماكن المقدسة الأخرى، فهي تحتضن المسجد الأقصى الذي كان مسرى النبي r، ومنها معراجه إلى السماوات العلى، والأقصى أول قِبلة للمسلمين، وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، وقد حبب النبي r أصحابه بزيارة القدس والصلاة في مسجدها، وعلى إهدائها ولو زيتًا يسرج في قناديل الأقصى المبارك، وقد أطلق المسلمون على المدينة اسم “بيت المقدس”، واشتق الاسم من الطهارة والبركة والقدسية، فبيت المقدس هو المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب، وتصبو إليه القلوب.

ومع انطلاق الفتوحات الإسلامية، توجهت الجيوش العربية المسلمة لفتح مدن بلاد الشام، وعلى رأسها مدينة القدس، ومما يؤكد أهمية القدس وعظيم مكانتها، فهي المدينة الوحيدة التي يأتي خليفة المسلمين ليستلم مفاتيحها، وقدم الخليفة عمر بن الخطاب t من المدينة المنورة إلى القدس، ليتسلم مفاتيح المدينة في عام 15 هـ/ 636 م، واستقبله بطريريك المدينة “صفرونيوس”، ومعه كبار أساقفة القدس.

ويسجل التاريخ أعظم عهد يظهر التسامح والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وقد أمّن عمر t أهل القدس من المسيحيين في “العهدة العمرية” على كنائسهم وصلبانهم، وتعهد لهم بأن كنائسهم لا تُسكن ولا تُهدم، ولا يُكرهون على دينهم. وقد بلغ من احترام عمر tللمسيحيين في القدس، بأنه رفض الصلاة في كنيسة القيامة، لكي لا تتخذ من بعد عمر مصلّى، وأدى صلاته قرب باب الخليل، في الموضع الذي يعرف حتى اليوم بمسجد عمر بن الخطاب t. وتشير هذه المرحلة إلى تحول نوعي في تاريخ المدينة، وقد سبغ الفتح الإسلامي أهمية إضافية للمدينة، ونعمت بالأمن والاستقرار، وترسيخ التسامح الديني في ظل الخلافة الإسلامية.

لقد نعمت القدس تحت الحكم العربي المسلم، بالأمن والأمان، وعاش أتباع مختلف الأديان والطوائف في تجانس تامٍ، طيلة فترات حكمهم للمدينة، ولم تشهد القرون المتتابعة أي مخالفة للعهدة العمرية، سوى بعض الاستثناءات التي تحصل في كل زمن، إلى أن احتلّ الفرنجة القدس عام 492 ه/ 1099 م، وأسسوا مملكة لاتينيّة، بقيت نحو 88 عامًا، قام خلالها الفرنجة بالقضاء على آلاف المسلمين، والمسيحيين العرب ودفعهم نحو الخروج من القدس، كما قاموا بتدنيس المسجد الأقصى، وحولوا بعض مساجده لإلسطبلاتلخيولهم، وهي الفترة الوحيدة من تاريخ المدينة التي عانت خلالها من مشاكل دينيّة، استجلبها الفرنجة معهم، في خلاف حضاري واضح مع الحضارة العربية الإسلامية، وهو ما يجعل هذه المرحلة استثناءً في تاريخ القدس، من حيث طبيعة الصراع الديني الحاد الذي لم تعرفه المدينة قبل الاحتلال الفرنجي وبعده، إلا ما يجري حاليًا من عدوانٍ متصاعد من قبل الاحتلال.

ومنذ التحرير الصلاحي للمدينة في 583 ه/ 1187 م، عادت المدينة لتكتسب وجهها العربيّ، وعاد العرب ليسكنوا فيها، ولم يغير حكامها من الأيوبيين أو المماليك أو العثمانيين هويتها، أو يتدخلوا في تركيبة سكانها، بل نعم جميع سكانها من عرب ولاتين وأرمن، ومسلمين ومسحيين ويهود، بالحرية الدينيّة الكاملة، حتى احتلال المدينة على يد الاستعمار البريطاني عام 1917، الذي مهد الطريق للاحتلال الصهيوني للمدينة، ومنذ ذلك الوقت بدأ الوجود العربي الفلسطيني في المدينة يعاني من الاستهداف، فتناقص عدد المسييحيين بشكلٍ خطير جدًا، ويعمل الاحتلال على طرد سكانها، في إبادة عرقية صامتة، تتسق مع تغيير وجه المدينة، وتغيير معالمها ومحاولة تشويه تاريخها الضارب في القدم، ولكن هوية القدس العربية والإسلامية ستبقى أقوى من محاولات تهويدها، وسيظل أهلها المرابطين الصامدين شوكة في وجه الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى