اعتقال الرئيس الفنزويلي: مكاسب خليجية هادئة… ومخاطر تستوجب الاستباق

أ.د قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي حدثًا محليًا معزولًا، ولا تفصيلًا عابرًا في مشهد أميركا اللاتينية، بل مثّل تحوّلًا جيوسياسيًا لافتًا في مسار إعادة ترتيب موازين النفوذ الدولي، خصوصًا في ما يتصل بتفكيك شبكات عابرة للحدود استثمرت طويلًا في هشاشة الدول والأزمات الاقتصادية.
وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا التطور، رغم بعده الجغرافي، يحمل دلالات مباشرة تستحق قراءة معمّقة، لا من زاوية المتابعة الخبرية، بل من زاوية تقدير الموقف الاستراتيجي، وما يترتب عليه من فرص ومخاطر.
مكاسب خليجية صامتة
أعاد اعتقال الرئيس الفنزويلي رسم موقع فنزويلا في المعادلة الدولية، وأغلق فعليًا دورها كمنصة خارجية لقوى وظّفت الاقتصاد والطاقة غطاءً للنفوذ السياسي والأمني.
هذا التحوّل انعكس، بصورة غير مباشرة، إيجابًا على دول مجلس التعاون الخليجي في أكثر من مسار.
أول هذه المكاسب يتمثل في تعزيز المكانة النفطية الخليجية. فتراجع أدوار غير مستقرة كانت تُستخدم للالتفاف على الأسواق والعقوبات أعاد الاعتبار إلى النفط الخليجي بوصفه مصدرًا موثوقًا، وإلى دول الخليج كشركاء أساسيين في أمن الطاقة العالمي، لا كأدوات ظرفية في صراعات سياسية.
كما أن سقوط هذا النموذج أضعف قدرة بعض القوى الإقليمية على استخدام الاقتصاد والاستثمار الخارجي كوسيلة للتمدد السياسي خارج نطاقها الجغرافي، وهو ما يصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي، ويحدّ من انتقال الأزمات إلى أسواق الطاقة والمال.
وفي السياق نفسه، يعزز هذا التحول موقع دول الخليج لدى شركائها الدوليين، باعتبارها دول مؤسسات واستقرار، قادرة على إدارة علاقاتها الدولية ضمن أطر واضحة، بعيدًا عن سياسات المغامرة أو التحالفات المؤقتة.
ما بعد فنزويلا: أين تتجه الشبكات؟
غير أن القراءة الاستراتيجية المتوازنة لا تكتمل عند حدود المكاسب. فالتجارب السابقة تُظهر أن تفكيك شبكة نفوذ في ساحة معينة لا يعني اختفاءها، بل غالبًا ما يدفعها إلى إعادة التموضع والبحث عن بدائل أقل صخبًا وأكثر تمويهًا.
التجربة الفنزويلية كشفت أن هذا النوع من النفوذ لا يبدأ عادةً بأدوات عسكرية مباشرة، بل يتسلل عبر:
• أنشطة اقتصادية ظاهرها تنموي
• مشاريع ثقافية أو اجتماعية
• استثمارات لا تخضع دائمًا للتدقيق الأمني الكافي
ومع سقوط فنزويلا كمنصة، يصبح من المرجح أن تسعى هذه الشبكات إلى البحث عن بيئات مستقرة وآمنة لإعادة بناء حضورها، مستخدمة أدوات أكثر نعومة، وأقل استفزازًا، لكنها لا تقل خطورة على المدى المتوسط والبعيد.
الخليج بين الفرصة والمسؤولية
تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي عناصر قوة حقيقية:
دولة مؤسسات، استقرار سياسي، سياسات خارجية متوازنة، وشراكات دولية واضحة. غير أن هذه القوة نفسها تجعلها في مرمى اهتمام شبكات تبحث عن بيئات مستقرة للاختراق غير المباشر، لا للمواجهة.
ومن هنا، فإن التعامل مع تداعيات اعتقال الرئيس الفنزويلي لا ينبغي أن يقوم على الاطمئنان المفرط، ولا على القلق المبالغ فيه، بل على يقظة استباقية تقوم على:
• تعزيز الحوكمة الاقتصادية
• التدقيق في الاستثمارات غير التقليدية
• التنسيق المؤسسي والأمني بين دول المجلس
• وقراءة الترابط بين الاقتصاد والثقافة والأمن قراءة شاملة
فالاستقرار، كما تثبت التجارب، لا يُحمى بالقوة وحدها، بل بوضوح السياسات، وصلابة المؤسسات، والقدرة على التمييز بين الشراكة والتنمية من جهة، والتوظيف السياسي المقنّع من جهة أخرى.
واخير اقول :
اعتقال الرئيس الفنزويلي ليس خبرًا يُقرأ في صفحات الخارج فقط، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في طريقة إدارة الصراع الدولي، وعلى نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر صرامة في التعامل مع شبكات النفوذ العابرة للحدود.
وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا التحول يحمل:
• مكاسب واضحة في الطاقة والمكانة الدولية
• وتحذيرات جدّية في مجال الأمن والاختراقات الناعمة
النجاح الحقيقي لا يكمن في الاستفادة من سقوط الآخرين، بل في منع انتقال أسباب السقوط إلى ساحات الاستقرار، عبر استباق واعٍ، وتحليل عميق، وصناعة قرار مبنية على الدروس لا على الانطباعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى