ما جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان

أ.د قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتضطرب فيه المواقف، تبقى بعض الدول ثابتةً على مبادئها، راسخةً في أخلاقها السياسية، مؤمنةً بأن الحكمة أقوى من الضجيج، وأن الإحسان أبلغ أثرًا من أي خطابٍ متشنّج. ومن بين هذه الدول تبرز دولة قطر بوصفها أنموذجًا لدولةٍ جعلت من الاعتدال منهجًا، ومن السعي إلى السلام خيارًا استراتيجيًا لا تحيد عنه.

لقد عُرفت قطر، عبر مسيرتها الحديثة، بسياسة خارجية متوازنة، تنطلق من احترام سيادة الدول، وتغليب لغة الحوار، والسعي الدؤوب إلى رأب الصدع بين المتخاصمين. ولم تكن مواقفها مع إيران يومًا نابعةً من حساباتٍ ظرفية، بل من رؤيةٍ أوسع تقوم على حسن الجوار، وإدراكٍ عميق بأن استقرار المنطقة مسؤوليةٌ جماعية لا تحتمل المغامرات.
وفي خضم ما عُرف بحرب الاثني عشر يومًا، وما رافقها من توتراتٍ عسكرية خطيرة، برز موقف دولة قطر الإنساني والسياسي، حين تحرك حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله ورعاه، لاحتواء التصعيد، ساعيًا إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من الانزلاق نحو المجهول. وقد أظهرت الاتصالات الدبلوماسية التي أجراها سموه حرصًا صادقًا على إيقاف دائرة العنف، وتغليب منطق العقل على منطق القوة.
ولم يكن خافيًا على الرأي العام الدولي ما أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات متلفزة، حين أكد أن من الأصول أن تُحسب لقطر مواقفها الطيبة، في إشارة واضحة إلى دورها في تخفيف حدة التوتر، وسعيها الصادق إلى منع اتساع رقعة المواجهة. إن هذا الاعتراف العلني يعكس إدراكًا دوليًا لحجم التأثير القطري، ولدورها كوسيطٍ موثوق يحظى باحترام الأطراف المختلفة.
غير أن الإحسان في السياسة لا يعني الضعف، ولا يُفسَّر بوصفه تنازلاً عن السيادة أو الكرامة، بل هو تعبيرٌ عن ثقة الدولة بنفسها، وقدرتها على التفريق بين الثابت والمتغير، وبين ردّ الفعل والانفعال. وقطر، بقيادتها الحكيمة، أثبتت أنها قادرة على الجمع بين الحزم والمرونة، وبين الدفاع عن مصالحها الوطنية، والمحافظة على شبكة علاقات متوازنة مع الجميع.
إن سجل قطر في الوساطات الدولية، وفي العمل الإنساني، وفي دعم التعليم والتنمية في مختلف القارات، يجعل من موقفها الأخير امتدادًا طبيعيًا لنهجٍ متكامل، لا خطوةً معزولة. فهي الدولة التي فتحت أبوابها للحوار حين أُغلقت الأبواب، ومدّت يدها للمصالحة حين تعثرت الخطوات، وأسهمت في تقريب وجهات النظر في أكثر الملفات تعقيدًا.
وقد أثبتت التجارب أن الدول التي تراكم رصيدًا من الثقة والاحترام، إنما تفعل ذلك عبر مواقف متسقة، لا عبر شعارات عابرة. ومن هنا يمكن فهم السياسة القطرية بوصفها سياسةَ بناءٍ لا هدم، وسياسةَ جسورٍ لا متاريس، وسياسةَ إحسانٍ حتى في أحلك الظروف.
إن قوله تعالى: ﴿ما جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان﴾ يظل قاعدةً أخلاقيةً سامية، لكن في عالم السياسة قد يتأخر الجزاء، وقد تتعقّد الحسابات. ومع ذلك تبقى قيمة الإحسان ثابتةً في ذاتها، لأنها تعبّر عن هوية الدولة، وعن عمقها الحضاري، وعن ثقتها بأن الخير — مهما تأخر — لا يضيع.
وهكذا تستمر دولة قطر، قيادةً وشعبًا، في أداء دورها المتوازن، حاملةً رسالة سلامٍ في منطقةٍ تعصف بها الأزمات، ومؤمنةً بأن كسب الاستقرار أسمى من كسب المواجهة، وأن الإحسان، في نهاية المطاف، هو الطريق الأقصر إلى احترام العالم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى