تفرض الحرب الحالية بين إيران و”إسرائيل” تحديات كبيرة على دول مجلس التعاون الخليجي، في عدة مجالات، من أبرزها الأمن السيبراني، الذي أصبح سلاحاً أساسياً في الحروب الحديثة.
ومع بدء الصدام بين إيران من جهة وأمريكا و”إسرائيل” من جهة أخرى، استخدم الطرفان الهجمات السيبرانية لتعطيل قدرات الطرف الآخر، أو على الأقل التشويش عليها، وجرى توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز تلك الهجمات وجعلها أكثر تأثيراً.
دول مجلس التعاون، بحكم موقعها الجغرافي، وانفتاحها الاقتصادي، وحرصها على التحوّل الرقمي، تتأثر بشكل مباشر بأي تصعيد من هذا النوع، ما يفرض عليها رفع مستوى الاستعداد وتعزيز الدفاعات السيبرانية لمواجهة هذه الأخطار.
وتدرك دول الخليج أن تصاعد الحرب السيبرانية بين إيران و”إسرائيل” لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشر، بل يمتد إلى دول الجوار، بحكم تشابك المصالح والأنظمة الرقمية في المنطقة.
وتشير تقارير دولية إلى أن بنوكاً، ومطارات، ومرافق للطاقة في الخليج، جرى استهدافها بهجمات سيبرانية خلال السنوات الأخيرة، ما يعزز المخاوف من أن التصعيد بين طهران وتل أبيب قد يفتح الباب أمام هجمات انتقامية عشوائية قد تطال البنى التحتية الحيوية الخليجية.
ويحذر خبراء من أن السيناريو الأخطر يتمثل في استهداف أنظمة الطاقة والمياه أو تعطيل أنظمة الملاحة الجوية في الخليج عبر برمجيات خبيثة تُزرع خلسة، وربما تنشط عند وصول التصعيد إلى ذروته.
وتبدي الدول الخليجية اهتماماً متزايداً بابتكار أدوات كشف استباقي لهذه البرمجيات قبل أن تتسبب بأضرار فعلية.
كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بالهجمات على مراكز البيانات في منطقة الخليج، والتي طالت بنى رقمية حساسة، عن تصاعد نمط جديد من الاستهداف الاستراتيجي، يتجاوز الإضرار المادي المباشر إلى تعطيل الوظائف الاقتصادية والعسكرية للدول.
واتخذت إيران في الأيام الأولى لهذا الصراع في الخليج، قراراً بمهاجمة مركزي بيانات تابعين لشركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) في الإمارات العربية المتحدة، ومركزاً آخر في البحرين.
كانت الأضرار متوسطة، لكن الاضطرابات كانت واسعة النطاق، إذ طالت كل شيء من الخدمات المصرفية إلى خدمات المستهلكين.
وفي 11 مارس 2026 استهدفت غارة أمريكية مركز بيانات تابعاً لبنك سباه في طهران، يحتوي على بيانات رواتب الحرس الثوري الإسلامي والجيش الإيراني، وأدت هذه الغارة إلى تعطيل صرف رواتب عناصر الجيش الإيراني.
في اليوم نفسه، وجهت إيران تهديداً أوسع نطاقاً، فقد نشرت وكالة أنباء تابعة للحرس الثوري الإيراني قائمة تضم (29) هدفاً تقنياً قالت إنها لضربها في البحرين و”إسرائيل” وقطر والإمارات العربية المتحدة.
وشملت القائمة خمسة مواقع تابعة لشركات AWS، وخمسة تابعة لشركة مايكروسوفت، وستة تابعة لشركة IBM، وثلاثة تابعة لشركة بالانتير، وأربعة تابعة لشركة جوجل، وثلاثة تابعة لشركة إنفيديا، وثلاثة تابعة لشركة أوراكل.
وتشير معطيات أمنية إلى أن حرب عام 2026 بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى اتسمت بسمة جديدة لافتة، وهي التكامل غير المسبوق بين العمليات العسكرية والهجمات السيبرانية.
ومن بين هذه المجموعات برز اسما “Handala Hack” و”DieNet”، اللتان استهدفتا أنظمة رقمية في دول الخليج.
وفي الكويت، أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني رصد أنشطة تهديدية استهدفت بعض الأنظمة الرقمية في الدولة.
وتعرضت مواقع حكومية بحرينية وبوابات الخدمات المصرفية الإلكترونية في المنامة لمحاولات اختراق.
وفي الإمارات واجهت الأنظمة الحكومية موجة من محاولات التصيد الاحتيالي المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي 13 مارس، دعا مجلس الأمن السيبراني الإماراتي جميع الأفراد والجهات في الدولة إلى توخي الحذر من فيروسات المسح التدميرية “Wiper Malware”، وهي من أخطر أنواع البرمجيات الخبيثة المصممة لمسح البيانات وتعطيل الأنظمة عمداً، مؤكداً على ضرورة الالتزام بأفضل ممارسات الأمن السيبراني، بما في ذلك تحديث الأنظمة باستمرار، والحذر من الروابط والملفات غير الموثوقة، والاحتفاظ بنسخ احتياطية للبيانات.
ولم تقتصر العمليات الرقمية على اختراقات في الخليج، حيث أفادت تقارير إعلامية بأن الحرس الثوري الإيراني أرسل رسائل نصية جماعية إلى هواتف سكان داخل “إسرائيل” تحذرهم من ضربات صاروخية وشيكة، في محاولة لإثارة الذعر وتقويض الثقة بالمنظومات الدفاعية.
ويرى الخبير المصري في عمليات الأمن السيبراني، الدكتور محمد محسن رمضان، أن ما يحدث بين “إسرائيل” وإيران هو جرس إنذار لكل دولة في المنطقة.
وأوضح رمضان أن المعارك في المستقبل قد لا تُعلَن في نشرات الأخبار، بل قد تبدأ باختفاء شبكة الكهرباء، أو توقف النظام البنكي، أو انتشار شائعة على منصة افتراضية تؤدي إلى اضطرابات حقيقية.
وأشار في تصريح لـ”العربية نت” إلى أن “القوة لم تعد تُقاس بحجم الجيوش، بل بعدد الخوادم، وكفاءة الكود، ومرونة الذكاء الاصطناعي”
خلال السنوات الأخيرة، شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً رقمياً واسع النطاق في مختلف القطاعات، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني.
ولمواجهة تحديات الأمن السيبراني، وتعزيز تصديها لأي هجمات، عملت دول الخليج على اتخاذ خطوات مهمة لحماية مرافقها الرقمية.
وأظهرت دراسة صادرة عن “بوزيتف تكنولوجيز” حول سوق الخدمات السيبرانية الإجرامية في دول مجلس التعاون الخليجي، ارتفاع نسبة هجمات حجب الخدمة الموزعة (DDoS) بنسبة 70% منذ بداية عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023.
وأشار تقرير صادر عن شركة “Kaspersky” الروسية للأمن الرقمي في نوفمبر 2023، إلى أن “67% من الشركات في الخليج تواجه صعوبة في العثور على محترفين مؤهلين في مجال الأمن السيبراني، ما يشكل عائقًا أمام القدرة على التصدي للتهديدات المتطورة”.
يؤكد مسؤولون خليجيون خطورة التحديات الرقمية وأهمية مواجهتها. ففي تصريح له خلال مؤتمر الأمن السيبراني الدولي بالرياض في فبراير 2023، أكد مساعد العيبان، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السعودي، أن “الأمن السيبراني ليس مجرد قضية تقنية، بل هو جزء لا يتجزأ من أمننا القومي، ويجب علينا أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة التهديدات المتطورة التي تستهدف بنيتنا التحتية الحيوية”.
كما قال الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، في أبريل 2023، خلال إطلاق مبادرة “الدرع السيبراني”: “إن حماية اقتصادنا الرقمي وأمننا السيبراني يمثلان أولوية قصوى. التحول الرقمي يوفر فرصًا هائلة، لكنه في الوقت نفسه يجلب تحديات جديدة تتطلب منا تعزيز تعاوننا وتطوير قدراتنا لمواجهتها بفعالية”.
وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول الخليج لتفعيل آليات التعاون السيبراني المشترك، حيث أعلنت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، في 2024، عن خطة متكاملة لتبادل المعلومات الاستخباراتية الرقمية، وإجراء تدريبات سيبرانية موحدة لمحاكاة الهجمات واسعة النطاق.
ويُنظر إلى هذه الجهود على أنها خطوة ضرورية لبناء “جدار رقمي” يحمي اقتصاد المنطقة ومجتمعاتها.
كما قامت الدول الخليجية باستثمارات ضخمة لتعزيز بنيتها التحتية السيبرانية، أهمها:
عقدت اللجنة الوزارية للأمن السيبراني بدول مجلس التعاون اجتماعها الرابع، في سبتمبر 2025، في مدينة الكويت، حيث أقرت اللجنة الخطة التنفيذية للاستراتيجية الخليجية للأمن السيبراني للفترة 2024 – 2028، كما اعتمدت إطار التعاون الدولي في هذا المجال، إلى جانب آلية حوكمة مشاركة المعلومات الخاصة بمنصة تبادل بيانات التهديدات السيبرانية.
الإمارات
في يناير 2023 أعلنت إنشاء مركز متقدم للأمن السيبراني يعنى بمراقبة وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة، ويعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة للكشف عن الهجمات السيبرانية بشكل استباقي.
في فبراير 2023 أطلقت مبادرة “المبرمجين السيبرانيين”، وهي برنامج تدريبي يهدف إلى تطوير مهارات الشباب الإماراتي في مجال الأمن السيبراني، بالشراكة مع كبرى الشركات التقنية العالمية.
- السعودية
في مارس 2023 وقعت الرياض اتفاقية مع الولايات المتحدة لتعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني، تشمل تبادل الخبرات، وتنظيم تدريبات مشتركة، وتطوير حلول تقنية متقدمة لمواجهة التهديدات السيبرانية.
افتتحت في أبريل 2023، مركزاً بحثياً في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) لتطوير حلول مبتكرة للتحديات السيبرانية التي تواجهها المنطقة.
افتتحت في يوليو 2023 أكبر مركز عمليات أمن سيبراني في المنطقة، بتكلفة تجاوزت 500 مليون دولار؛ لمراقبة الأنشطة السيبرانية والكشف المبكر عن التهديدات، إضافة إلى تقديم التدريب المتخصص للكوادر الوطنية في هذا المجال.
- قطر
أصدرت الحكومة القطرية في سبتمبر 2023، قانوناً جديداً للأمن السيبراني يفرض على الشركات والمؤسسات الحكومية اتباع معايير صارمة لحماية البيانات والشبكات لضمان أمن المعلومات.
- الكويت
في نوفمبر 2022، أطلقت الكويت استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني، التي تركز على تعزيز الوعي السيبراني، وتطوير الكفاءات المحلية، وتبادل المعلومات مع الشركاء الدوليين لمواجهة التهديدات.
- البحرين
في مارس 2023 أعلنت الحكومة البحرينية عن تحديث قانون الأمن السيبراني الذي يهدف إلى تعزيز حماية البيانات الشخصية والشبكات الإلكترونية.
القانون الجديد يفرض عقوبات صارمة على الجرائم السيبرانية ويسعى إلى تعزيز الوعي السيبراني بين المواطنين والشركات على حد سواء.
في يونيو 2023، وقعت البحرين اتفاقية تعاون مع المملكة المتحدة لتعزيز القدرات السيبرانية من خلال تبادل الخبرات والتدريب.
- عمان
في أكتوبر 2022، أطلقت عمان “الهيئة الوطنية للأمن السيبراني”، التي تعمل على وضع سياسات وتنسيق جهود الدفاع السيبراني بين مختلف القطاعات، لحماية البنية التحتية الحيوية مثل قطاعات الطاقة والمواصلات من الهجمات السيبرانية.
في فبراير 2023 أصدرت قانوناً جديداً للأمن السيبراني، يهدف إلى حماية البيانات الشخصية للمواطنين والمقيمين، ويفرض على الشركات والمؤسسات العامة والخاصة الالتزام بمعايير صارمة لحماية الشبكات والبنية التحتية الإلكترونية.
في مايو 2023 تم إطلاق “أكاديمية الأمن السيبراني العمانية”، التي تقدم برامج تدريبية متقدمة بالتعاون مع مؤسسات تعليمية دولية مثل جامعة “كارنيجي ميلون” الأمريكية، لتطوير مهارات الشباب العماني في مجال الأمن السيبراني.
وقعت في يوليو 2023، اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبي لتعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني، وتبادل الخبرات الفنية وتنظيم تدريبات مشتركة، إضافة إلى تقديم الدعم الفني لتعزيز البنية التحتية السيبرانية في السلطنة.
وبينما تتصاعد التهديدات، يبقى رهان الخليج على الجمع بين التكنولوجيا الحديثة، وتطوير الكفاءات البشرية، والتعاون الدولي، كسبيل وحيد لتحصين اقتصاده الرقمي ومؤسساته الحيوية ضد أي محاولة للعبث باستقراره.




