أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار اكاديمي
عقود مضت والعالم يرتجف كلما ذُكر اسم “مضيق هرمز”. سيمفونية التهديد بالإغلاق أصبحت “الأسطوانة المشروخة” التي تُعزف في كل أزمة دولية. ولكن، إذا تجردنا من العواطف السياسية ونظرنا إلى حقائق الجغرافيا والواقع، سنكتشف أننا أمام أكبر “خديعة بصرية” في التاريخ الحديث. فهل مضيق هرمز ممر حيوي حقاً بالقدر الذي يروج له، أم أنه مجرد “فزاعة” تم تصميمها لابتزاز الاقتصاد العالمي؟
جغرافيا الحقيقة مقابل أوهام السياسة
تؤكد الوقائع أن إغلاق المضيق عسكرياً وعملياً هو “انتحار جيوسياسي” لم يجرؤ أحد على فعله، ولن يفعل. تاريخياً، لم يُغلق المضيق يوماً، لأن من يملكه (جغرافياً) يحتاج إليه للتنفس تماماً كمن يمر به. إن تضخيم فكرة “الإغلاق” لا يخدم سوى أجندة “تجار الأزمات”. فالمضيق ليس مجرد ممر، بل هو “محطة وقود” عالمية يُراد لأسعارها أن تبقى رهينة الخوف لا العرض والطلب.
اللعبة الكبرى: من المستفيد من “الوهم”؟
لماذا يتم النفخ في هذه القربة المقطوعة؟
الإجابة تكمن في جيوب الكبار.
كلما ارتفع منسوب التوتر في هرمز، قفزت أسعار النفط، وتضاعفت تكاليف التأمين على السفن، وارتفعت أسعار البضائع عالمياً. هنا تلتقي المصالح المتناقضة؛ أمريكا تجد مبرراً لوجودها العسكري الدائم، وإيران تستخدمه كـ “حقنة تخدير” لخصومها، بينما تبقى دول المنطقة في حالة استنفار دائم.
المفارقة العجيبة هي دخول “اللاعب الأوروبي” على الخط الآن، تحت ذريعة حماية التجارة بعيداً عن الاستقطاب الأمريكي-الإيراني. إنها خطة “موضع القدم” الجديدة؛ فكل قوة دولية تريد نصيباً من هذا “الوهم” لتبرر وجود أساطيلها في مياهنا الدافئة.
صمت سلطنة عُمان.. حكمة هادئة أم تواطؤ الصمت؟
يثور السؤال الكبير:
لماذا تصمت مسقط؟
عُمان، التي تملك السيادة الفعلية والقانونية على ممرات الملاحة في المضيق (مسار السفن يمر في مياهها الإقليمية)، تلتزم صمتاً يثير الريبة لدى البعض والإعجاب لدى آخرين.
هذا الصمت ليس عبثياً؛ فعُمان تدرك أن “هرمز” هو ورقتها الرابحة التي تلعبها خلف الكواليس لا أمام الكاميرات. إنها تدرك أن تحويل المضيق إلى منطقة “تجاذبات إعلامية” سيضر بمكانتها كـ “سويسرا الشرق”. ولكن، ألا يساهم هذا الصمت في تمرير خطط تدويل المضيق؟ ألا يمنح الضوء الأخضر للقوى الأوروبية للبحث عن موطئ قدم بحجة “تأمين الممر”؟
العرب والوهم الكبير
بينما يتصارع الكبار على “خرائط الوهم”، يقف العرب في مقاعد المتفرجين. إن غياب استراتيجية عربية موحدة لإدارة هذا الممر تجعل منه “مشاعاً دولياً” لمن يملك القوة لا لمن يملك الأرض. الحقيقة المرة هي أن المضيق لن يُغلق، ولكن سيظل “يُستخدم” لامتصاص ثروات المنطقة ورفع تكلفة المعيشة على المواطن العربي البسيط الذي يدفع ثمن “وهم” تسببت فيه تصريحات سياسية وتحركات عسكرية استعراضية.
وخلاصة الحقيقة التي تهز الأركان
مضيق هرمز ليس “عنق زجاجة” يمكن سده بسهولة، بل هو “شريان حياة” لمن يهددون بإغلاقه قبل غيرهم.
إن ما يحدث اليوم هو عملية “إعادة احتلال” ناعمة تحت غطاء الأمن الملاحي. إن الاستمرار في تصديق كذبة “خطر الإغلاق” هو ما يمنح الشرعية لرفع الأسعار وللتدخل الأجنبي.
لقد حان الوقت لكسر حاجز الصمت، ولأن يدرك الجميع أن “هرمز” ليس ساحة للحرب، بل هو منجم ذهب سياسي يُستغل لإبقاء المنطقة تحت الوصاية الدائمة. فهل يستيقظ العرب قبل أن يتحول المضيق من ممر مائي إلى قاعدة عسكرية دولية دائمة بـ “مباركة الخوف”؟




