أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار اكاديمي
هل تساءلت يومًا لماذا تشعر بالهدوء والسكينة عندما تنظر إلى البحر؟ أو لماذا يلجأ الكثيرون إلى حمام دافئ بعد يوم شاق؟ الإجابة تكمن في علاقة عميقة بين النفس البشرية والماء، علاقة تتجاوز مجرد الحاجة الفسيولوجية للبقاء على قيد الحياة. هذا المقال يستكشف علم “سيكولوجية الماء” أو ما يُعرف بـ”العقل الأزرق” (Blue Mind)، وهو مجال يدرس كيف يؤثر التواجد في الماء أو بالقرب منه على حالتنا النفسية والعصبية.
أولاً: مفهوم “العقل الأزرق” (Blue Mind)
صاغ عالم الأحياء البحرية والاس جي نيكولز مصطلح “Blue Mind” في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، لوصف الحالة التأملية الهادئة التي تدخل فيها النفس البشرية عندما تكون قرب الماء أو فيه أو تحته.
يصف نيكولز هذه الحالة بأنها:
“نحن بدأنا نتعلم أن أدمغتنا مهيأة بيولوجيًا للتفاعل إيجابيًا مع الماء، وأن التواجد بالقرب منه يمكن أن يهدئنا ويوصلنا، ويزيد الابتكار والبصيرة، بل ويشفي ما هو مكسور”.
هذه الحالة ليست مجرد شعور عابر، بل هي استجابة عصبية ونفسية موثقة علميًا، حيث يدخل الدماغ في وضع مشابه للتأمل العميق، مما يقلل من التوتر ويعزز المشاعر الإيجابية.
ثانيًا: لماذا يجذبنا الماء؟ الأسس العلمية
- التأثير العصبي المباشر
تشير الأبحاث إلى أن التواجد في الماء أو بالقرب منه يؤثر على كيمياء الدماغ بطرق ملموسة:
· زيادة الناقلات العصبية الإيجابية: يرفع الماء مستويات الدوبامين (هرمون السعادة)، والسيروتونين (هرمون المزاج)، والأوكسيتوسين (هرمون الترابط)، بينما يخفض الكورتيزول (هرمون التوتر).
· توازن الجهاز العصبي: يساعد الغمر في الماء على موازنة الجهاز العصبي السمبثاوي (المسؤول عن ردود فعل القتال أو الهروب) والجهاز العصبي نظير السمبثاوي (المسؤول عن الاسترخاء والهضم). - الجاذبية الحسية المتعددة
يجذب الماء حواسنا بطرق متعددة ومتكاملة:
البصر: اللون الأزرق نفسه له تأثير مهدئ على النفس. تشير الأبحاث إلى أن البشر يفضلون اللون الأزرق أكثر من أي لون آخر حول العالم، ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى أننا تطورنا في محيط تسوده السماء الزرقاء والمياه الزرقاء، مما جعل هذا اللون مرتبطًا بالأمان والراحة على المستوى البيولوجي.
السمع: أصوات الماء – سواء كانت أمواج البحر، أو شلالاً، أو جدولاً يتدفق – تُعد من أكثر الأصوات إمتاعًا للدماغ البشري. تشير دراسات التصوير العصبي إلى أن هذه الأصوات تنشط مناطق المتعة في الدماغ، بينما الأصوات الاصطناعية كأصوات الآلات أو حركة المرور تثير استجابات مزعجة. كما أننا تعودنا على سماع أصوات الماء منذ أن كنا أجنة في أرحام أمهاتنا، مما يمنح هذه الأصوات طابعًا مريحًا عميقًا.
اللمس: الطفو في الماء يمنح الجسم إحساسًا بانعدام الوزن، مما يخفف الضغط على المفاصل والعضلات. هذا الإحساس يُستخدم علاجيًا لحالات مثل الألم المزمن، والتوتر، والاكتئاب، وحتى اضطراب ما بعد الصدمة واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. - الانتباه غير الإرادي
عندما ننظر إلى سطح الماء، نرى أنماطًا متكررة ومتغيرة في آن واحد – تموجات، وانعكاسات، وحركة مستمرة. هذه الأنماط تجذب انتباهنا بطريقة “غير إرادية”، مما يمنح الدماغ استراحة من الانتباه المركز الذي نستخدمه في حياتنا اليومية، ويسمح له بالدخول في حالة تأملية مريحة.
ثالثًا: من “العقل الأحمر” إلى “العقل الأزرق”
يميز والاس نيكولز بين حالتين ذهنيتين متعارضتين:
· العقل الأحمر (Red Mind): حالة من التوتر والانفعال المستمر، حيث يكون الجهاز العصبي السمبثاوي في حالة تأهب دائم. هذه هي الحالة التي نعيشها غالبًا في حياتنا المعاصرة المليئة بالضغوط.
· العقل الأزرق (Blue Mind): نقيض ذلك تمامًا. إنها حالة الهدوء والاتزان التي يحققها التواجد في الماء أو بالقرب منه، وهي بمثابة “ترياق” طبيعي لآثار التوتر المزمن.
رابعًا: “تأثير المنظر السفلي” (Underview Effect)
إذا كان رواد الفضاء يختبرون “تأثير المنظر العلوي” (Overview Effect) عندما يرون الأرض من الفضاء، فإن الباحثين في جامعة نورث إيسترن وثقوا وجود تأثير مشابه لدى من يعيشون تحت الماء لفترات طويلة، أطلقوا عليه اسم “تأثير المنظر السفلي” (Underview Effect).
وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون ويعملون تحت الماء (الأكوأنوتس) يمرون بتحول معرفي عميق، يتمثل في:
· تعميق الإحساس بالارتباط والالتزام تجاه العالم الطبيعي
· زيادة مشاعر الرهبة والامتنان بنسبة 70% لدى المشاركين
· تعزيز الانخراط الحسي مع البيئة المحيطة بنسبة 64%
يقول أحد الباحثين: “نحن في مرحلة ندرك فيها أن الطريقة المعتادة في تعاملنا مع الطبيعة، وخاصة المحيط، لن تكون كافية بعد الآن”. هذه النتائج تشير إلى أن التجربة المائية العميقة يمكن أن تحول علاقتنا مع البيئة بشكل جذري.
خامسًا: تطبيقات عملية في الحياة اليومي
للأطفال
ينصح الخبراء الآباء باستخدام الماء كأداة لتهدئة الأطفال وتعديل مزاجهم. فالاستحمام، أو اللعب في الرشاشات، أو حتى اللعب بالماء في حوض المطبخ يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتهدئة الطفل وتغيير مسار يومه.
يقول أحد الباحثين: “في نهاية المطاف، النصيحة الحكيمة بوضع الأطفال في الماء لتغيير مزاجهم أو تهدئتهم هي حيلة مدعومة علميًا تعمل بالفعل”.
للبالغين
· التأمل المائي: مجرد الجلوس بجانب نافورة أو حوض سمك لمدة 10 دقائق يمكن أن يخفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب بشكل ملحوظ.
· السباحة: تؤدي السباحة تأثيرًا مشابهًا لليوغا، حيث تجمع بين التنفس العميق والحركة اللطيفة والتمدد.
· حتى شرب الماء: الجفاف البسيط يمكن أن يزيد القلق والتعب ويقلل التركيز. الحفاظ على ترطيب الجسم هو جزء أساسي من الصحة النفسية.
سادسًا: الماء والوعي البيئي
هناك بُعد آخر لسيكولوجية الماء يتجاوز الفرد إلى المجتمع ككل. تشير الأبحاث إلى أن قراراتنا تجاه حماية المياه لا تعتمد فقط على المعرفة العلمية، بل أيضًا على العلاقة النفسية والوجدانية التي تربطنا بها.
الماء يحمل ثنائية متأصلة: فهو مصدر حياة يمكن أن يغذي المجتمع، وفي الوقت نفسه يمكن أن يحمل فضلاته. هذه الثنائية تخلق علاقة معقدة بين البشر والماء، تؤثر على كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة به.
في دراسة أجريت في جنوب إفريقيا على أطفال تتراوح أعمارهم بين 10-13 عامًا في منطقة تعاني من شح المياه، تبين أن الأطفال لا يعرفون الكثير عن الماء، لكنهم أبدوا اهتمامًا كبيرًا بمعرفة المزيد والقيام بدور فعال في الحفاظ عليه. وهذا يشير إلى أن الوعي المائي يمكن أن يُنمّى عندما تُتاح الفرصة.
العودة إلى الماء
سيكولوجية الماء ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل هي دعوة للعودة إلى ما هو فطري فينا. فقبل أن نكون سكان مدن مزدحمة، كنا كائنات تطورت في محيطات وأنهار وبحيرات. الماء ليس مجرد مورد نستهلكه، بل هو عنصر يشكل جزءًا من هويتنا النفسية والبيولوجية.
في عالم يغلب عليه “العقل الأحمر” – حيث الضغوط والتوتر والانفعال المستمر – يظل الماء ملاذًا طبيعيًا يمكننا من خلاله استعادة توازننا. سواء كان ذلك بقضاء يوم على الشاطئ، أو جلسة تأمل بجانب نافورة، أو حتى حمام دافئ في نهاية يوم شاق، فإن الماء يقدم لنا هدية ثمينة: لحظة من الهدوء، مساحة من الصفاء، وعقل أزرق في بحر أحمر.
“العقل الأزرق هو الحالة التأملية الهادئة التي ندخل إليها عندما نكون قرب الماء أو فيه أو عليه. إنها الهدية التي يقدمها الماء لعقولنا المتعبة” .



