اليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام.. جهود دولة قطر علامة فارقة

تحتفل الأوسط الدولية باليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام في الـ24 من أبريل سنويا، بوصفها مناسبة لأحد أبرز وجوه العمل المؤسسي الدولي متنوع الأدوار، والذي يحتل حيزا كبيرا في العقود الأخيرة من مساحة التعاون العابر للحدود، حيث تهدف الدبلوماسية التفاوضية لإنجاح الجهود الرامية لإحلال السلام وحل النزاعات في بقاع مختلفة من العالم وإنقاذ أرواح الملايين، بما تمثله من تعبير عن التزام سياسي وإنساني مشترك، ينبثق من منظومة قيم ومبادئ متوافق عليها بين المعنيين بالشأن الدولي.

وتشكل مفردات التشاور السياسي الملتزم بالقوانين الدولية بجانب الانفتاح على مختلف وجهات النظر وتجسير الفجوات بينها، وضمان حقوق الفئات المتضررة والهشة والضعيفة، أسسا رصينة يستند إليها التفاعل الدبلوماسي الهادف لسحب فتيل الصراعات، ويهتدي مسارها بقواعد تكفل ديمومة التعاون، بشرط أن تطبق القواعد على جميع الأطراف على قدم المساواة، بما يحقق للجميع حقوقه ويضمن تنفيذ واجباته بتوزيع منصف للمسؤوليات.
وقد اعتمد قادة العالم ما عرف بميثاق المستقبل في القمة التي عقدت بمقر الأمم المتحدة خلال سبتمبر 2024، مؤكدين التزامهم بالسلام والتنمية المستدامة وصون حقوق الإنسان، إذ تجسد الأمم المتحدة أرقى صور التعددية، فميثاقها لا يحدد هيكل المنظمة ووظائفها فحسب، بل يعد ركنا من أركان النظام الدولي المعاصر، وهو ما وصفه الأمين العام أنطونيو غوتيريش أكثر من مرة بأنه “البوصلة الأخلاقية” التي تهدي إلى السلام وتسمو بالكرامة وتعزز حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وفي ديسمبر 2018، اعتمدت الجمعية العامة قرارا بشأن اليوم الدولي للتعددية والدبلوماسية من أجل السلام، داعية الدول والجهات المعنية إلى الاحتفاء بهذا اليوم وتعزيز الوعي بمزايا التعددية، فشهد الإطار المتعدد الأطراف تطورا لافتا، بارتفاع عدد الدول المنضوية تحت سقفه من 51 عضوا عام 1945 إلى 193 حاليا، فضلا عن تنامي مشاركة المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص، وبلغت أكثر من ألف منظمة بصفة مراقب لدى الأمم المتحدة.
وتتبنى دولة قطر نهجا فريدا لتعزيز الدبلوماسية متعددة الأطراف، وتلعب دورا محوريا عبر دبلوماسية مثمرة أثبتت جدواها في تفكيك كثير من الصراعات المستعصية، كما أنها تستضيف العديد من جولات الحوار والمفاوضات بين أطراف النزاع، وحازت ثناء أمميا إزاء التزامها المطرد بدعم الأمم المتحدة وشراكتها الفاعلة مع منظمات إنسانية وتنموية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، مما عزز دورها النشط والمسؤول كعضو مؤثر في المجتمع الدولي.
وكان آخر جهود دولة قطر الدبلوماسية في المجال الدولي، تقدمها بطلب إدراج بند طارئ على جدول أعمال الاتحاد البرلماني الدولي الذي انعقد في مدينة إسطنبول خلال الفترة من 15 – 19 أبريل الجاري، بالشراكة مع عدد من الدول وبدعم مجموعات جيوسياسية، وكان البند الطارئ بعنوان: «الحاجة القصوى لتضافر الجهود البرلمانية للحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار ودعم إحلال السلام في الشرق الأوسط وكل أنحاء العالم».
وفاز البند الطارئ المقدم من دولة قطر، ممثلة بمجلس الشورى، بالأغلبية الساحقة لإدراجه على جدول أعمال الجمعية العامة الـ152 للاتحاد البرلماني الدولي المنعقدة حاليا بمدينة إسطنبول التركية، لتكون هذه المرة الأولى التي يحظى فيها بند طارئ مقدم من دولة عربية بالأصوات اللازمة لإدراجه على جدول أعمال الجمعية العامة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي باكير أستاذ الشؤون الدولية والأمن والدفاع بجامعة قطر في حديث مع وكالة الأنباء القطرية /قنا/: إن مبادرة «البند الطارئ» تجسد نموذجا عمليا للدبلوماسية متعددة الأطراف، حيث تعكس قدرة دولة قطر على حشد التأييد الدولي لقضايا السلم والاستقرار، مشيرا إلى أنه لا يمكن النظر إلى هذا الإنجاز بمعزل عن النهج القطري الراسخ، إذ تمثل هذه المبادرة تتويجا لمسار ممتد لأكثر من عقدين من العمل الدبلوماسي النشط الذي ارتكز على الوساطة، وبناء الثقة، وتغليب الحلول السياسية على النزاعات.
وأكد الدكتور باكير أن دولة قطر اضطلعت بدور محوري في تقريب وجهات النظر بين أطراف متنازعة في عدة ملفات إقليمية ودولية، وساهمت في خفض التوترات وتعزيز فرص الحوار.

ومن هذا المنطلق، تأتي المبادرة لتعزز حضور قطر كفاعل دولي مسؤول يسعى إلى ترسيخ الأمن الجماعي، وتفعيل أدوات العمل البرلماني الدولي لخدمة قضايا السلام، بما يؤكد أن الدبلوماسية القطرية ليست استجابة ظرفية، بل سياسة ثابتة ذات رؤية استراتيجية طويلة المدى.
من جانبه، قال فالح بن حسين الهاجري رئيس تحرير صحيفة /العرب/ القطرية في حديث مع /قنا/: إن تجربة دولة قطر تتجلى بوصفها تعبيرا ناضجا عن رؤية سياسية نسجت حضورها عبر تراكم هادئ ومنهجي، حيث تحولت الوساطة إلى بنية دائمة في السياسة الخارجية، وأضحى الحوار أداة لإدارة التعقيد الدولي.

وفي هذا السياق، جاءت مبادرة “البند الطارئ” التي طرحتها الدوحة، لتكثف هذا المسار، إذ قدمت تصورا يدمج الدبلوماسية البرلمانية في صلب الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وصون المدنيين، وترسيخ قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأضاف الهاجري أن الموافقة الواسعة على المبادرة وتسجيلها تعد سابقة عربية في إدراج بند طارئ على جدول أعمال الاتحاد، وعكست رصيدا من المصداقية الدولية تبلور عبر عقدين من الانخراط الفاعل في مسارات الوساطة، من تسويات النزاعات إلى إدارة الملفات الإنسانية المركبة، مشيرا إلى أن هذا الرصيد ارتكز على سياسة خارجية قطرية جعلت خفض التصعيد وظيفة مستمرة، ومن تقريب وجهات النظر ممارسة مؤسسية، بما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي.

وأكد أن هذه المقاربة، وخصوصا في بيئة دولية تتسم بتسارع الأزمات وتشابكها، تبرز بوصفها إسهاما عمليا في إعادة تنشيط النظام الدولي، عبر أدوات متعددة الأطراف قادرة على تحويل المبادئ إلى آليات تنفيذ، بما يرسخ السلم ويؤسس لاستقرار ممتد في الزمن.
ومن الجدير ذكره أن جهود دولة قطر في مجال الوساطة والمساعي الحميدة تصاعدت تدريجيا منذ عام 2004، لتكتسب مصداقية متميزة دفعت للخوض في معترك الوساطات بأهداف متنوعة مثل وقف إطلاق النار، واستعادة العلاقات الدبلوماسية، والإفراج عن الرهائن، وتبادل الأسرى، ودعم الحوارات الوطنية، وإنهاء النزاعات الحدودية، وتعزيز الجهود الإنسانية، والتوصل إلى اتفاقيات السلام على المستويين الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى