أ.د قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
في حياة الأمم رجالٌ استثنائيون لا تُقاس أدوارهم بعدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، بل بحجم التحولات التي أحدثوها في حياة الناس. يبنون المؤسسات، ويؤسسون لمراحل جديدة من التنمية، ويصنعون فرصاً للأجيال، حتى يصبح ما أنجزوه جزءاً من المشهد اليومي الذي اعتاد الناس رؤيته، فينسون مع مرور الزمن حجم الجهد الذي بُذل لصناعة ذلك الواقع.
ومن غرائب النفس البشرية أن الاعتياد على النعمة يجعلها تبدو وكأنها كانت موجودة دائماً. فحين تتحول الإنجازات الكبرى إلى أمر مألوف، يتراجع الحديث عن أصحابها، وتصبح آثار أعمالهم أكثر حضوراً من أسمائهم. وهنا تبدأ إحدى المعضلات التي تعاني منها مجتمعات كثيرة: تقدير الإنجاز بعد أن يصبح تاريخاً، لا وهو ما يزال يصنع الحاضر.
كم من قائد أو عالم أو مفكر أو مصلح اجتماعي غيّر حياة الآلاف وربما الملايين، ثم وجد نفسه بعد سنوات بعيداً عن الأضواء، بينما بقيت الثمار التي زرعها تتحدث عنه كل يوم. وقد يمر الناس بجوار المؤسسات التي قامت بفضله، أو يستفيدون من مشاريع كان له الدور الأكبر في تحقيقها، دون أن يتوقفوا لحظة ليتذكروا صاحب الأثر الأول.
ويقول الحكماء إن بعض الرجال لا يكتفون بدفن الفقر في حياة الناس، بل يدفنون معه اليأس والعجز والخوف من المستقبل. هؤلاء لا يقاس عطاؤهم بالأرقام وحدها، لأن أثرهم يمتد إلى صناعة الأمل وتغيير نظرة الإنسان إلى حياته ووطنه ومستقبله. ومع ذلك، فإن كثيراً منهم لا ينال من التقدير ما يوازي حجم ما قدمه.
إن التكريم الحقيقي لا يبدأ بإطلاق الأسماء على القاعات والشوارع، ولا بإقامة الاحتفالات بعد عقود من الإنجاز، بل يبدأ بالاعتراف الصادق بالفضل لأهله وهم بيننا. فالكلمة الطيبة في وقتها، والوفاء في أوانه، والاعتراف بالجميل قبل فوات الأوان، كلها قيم تعكس رقي المجتمعات ونبلها.
وليس المقصود من التكريم صناعة الأصنام أو المبالغة في المدح، وإنما ترسيخ ثقافة الإنصاف. فالإنصاف يقتضي أن يُذكر صاحب الإنجاز بإنجازه، وأن يُعرف أهل الفضل بفضلهم، وأن تتعلم الأجيال أن البناء العظيم لا يولد من فراغ، بل يقف وراءه رجال ونساء أفنوا أعمارهم في العمل والتخطيط والتضحية.
إن الأمم التي تحفظ الجميل لصنّاع نهضتها وهي تراهم أمامها، هي أمم تبني مستقبلاً أكثر رسوخاً. أما الأمم التي لا تتذكر عظماءها إلا عندما يصبحون جزءاً من الذاكرة، فإنها تخسر فرصة مهمة في تعليم أبنائها معنى الوفاء والاعتراف بالفضل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: لماذا نجيد الحديث عن أصحاب الأثر بعد ابتعادهم عن المشهد، أكثر مما نجيد شكرهم وهم ما زالوا بيننا؟ ولماذا نؤجل كلمات الامتنان حتى تتحول إلى ذكريات؟
لعل الجواب يكمن في أن بعض القامات الكبيرة ترتفع إلى درجة يعتاد الناس وجودها، فلا يدركون قيمتها كاملة إلا عندما ينظرون إلى ما تركته خلفها من أثر. وحينها فقط يكتشف الجميع أن التاريخ لم يكن يصنع نفسه، بل كان هناك رجال صنعوه بصمت، ثم مضوا تاركين للأجيال أن تكتشف حجم ما قدموه.



