حرب إيران تدخل مرحلة «عضّ الأصابع».. من يصرخ أولا ؟

تدخل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، يبدو فيها العامل الاقتصادي والمواجهة حول مضيق هرمز أكثر حسماً من المكاسب العسكرية المباشرة. فبعد أشهر من العمليات والضربات المتبادلة، لم تنجح الضغوط الأميركية حتى الآن في دفع طهران إلى تقديم التنازلات التي تطالب بها واشنطن، فيما بات المضيق الاستراتيجي محوراً لصراع إرادات يهدد بإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على الاقتصاد العالمي.

وبحسب تحليل لـ«وول ستريت جورنال»، تحولت المواجهة بصورة متزايدة إلى اختبار لقدرة كل طرف على تحمل الضغوط الاقتصادية وإجبار الآخر على التراجع. وتراهن إدارة الرئيس دونالد ترامب على تشديد الخناق المالي والنفطي على إيران، بالتوازي مع فرض حصار بحري على موانئها، أملاً في تقليص مواردها ودفعها في نهاية المطاف إلى العودة إلى التفاوض بشروط أميركية.

لكن طهران تستخدم في المقابل ورقة مضيق هرمز للضغط على واشنطن. فإبقاء حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم عند مستويات شديدة الانخفاض يمنح إيران أداة تأثير مباشرة في أسواق الطاقة، ويجعل استمرار الأزمة مكلفاً للاقتصادات المستوردة للنفط، بما فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

وتظهر بيانات حركة السفن حجم الاضطراب،  فقد أشار تقرير «وول ستريت جورنال» إلى أن عدد السفن التي عبرت المضيق في أحد الأيام الأخيرة لم يتجاوز 14 سفينة، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب. كما أن معظم السفن التي تواصل العبور تستخدم مسارات تخضع بدرجة أكبر للنفوذ الإيراني، في حين بقي الإقبال محدوداً على المسار الذي تدعمه الولايات المتحدة بمحاذاة الساحل العُماني.

ولا يعني ذلك أن واشنطن فقدت القدرة على التحرك في المضيق؛ فقد تمكنت البحرية الأميركية من مرافقة عدد من ناقلات النفط، لكن وجودها العسكري لم يكن كافياً لإعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية. وتستفيد إيران من التهديدات والهجمات المحدودة لإبقاء المخاطر مرتفعة، وهو ما يرفع تكاليف التأمين ويجعل شركات الشحن أكثر حذراً في إرسال سفنها إلى المنطقة. 

هرمز في قلب المواجهة

ويبدو أن الخلاف حول المضيق بات أحد أكثر الملفات تعقيداً في أي مسار محتمل للتسوية. ففي الوقت الذي تصر فيه واشنطن على إعادة فتح الممر أمام الملاحة الدولية، تربط طهران عودته إلى العمل بشروط سياسية واقتصادية تتجاوز قضية الملاحة نفسها.

وفي أحدث تصعيد سياسي، هدد ترامب بإعلان مضيق هرمز «أرضاً تابعة للولايات المتحدة»، في تصريحات تعكس حجم الأهمية التي باتت واشنطن توليها للسيطرة على حركة الملاحة في المنطقة. وردت إيران برفض التصريح والتأكيد على سيادتها على المضيق، بينما ظلت المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب واستعادة الملاحة متعثرة. 

ويكشف هذا التباين أن الطرفين لا يزالان بعيدين عن تسوية سياسية. فواشنطن تريد أن تستخدم الضغط الاقتصادي والعسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات، بينما تحاول إيران تحويل قدرتها على تعطيل الملاحة إلى ورقة تفاوضية تفرض من خلالها ثمناً لأي اتفاق.

مأزق أميركي

وتواجه إدارة ترامب في الوقت نفسه معادلة أكثر تعقيداً على المستوى الداخلي. فالحصار على إيران واضطراب حركة النفط عبر هرمز يرفعان كلفة الطاقة على المستهلك الأميركي. وقد دعا ترامب الأميركيين إلى تقبل ارتفاع أسعار البنزين، معتبراً أن هذه الكلفة ضرورية لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية. ووفق تقرير لـ«رويترز» نُشر في 14 أغسطس، ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.08 دولارات للغالون، بزيادة تقارب 29% على أساس سنوي. 

وهنا تظهر المفارقة: فكلما زادت واشنطن الضغط على إيران، ازدادت احتمالات استمرار اضطراب إمدادات الطاقة، بما ينعكس على الأسعار والتضخم داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كما أن الحرب تفرض ضغوطاً متزايدة على القوات الأميركية. فقد أشارت تقارير حديثة إلى أن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أمضت فترة طويلة في البحر خلال العمليات المرتبطة بالحرب، فيما قلل ترامب من المخاوف بشأن ظروف انتشارها، مؤكداً أن المدة التي قضتها في المنطقة «ليست طويلة بما يكفي». 

من يصرخ أولاً؟

في المقابل، لا تبدو إيران في وضع يسمح لها بتحمل الضغوط إلى ما لا نهاية،  فقد أدى الحصار واضطراب صادرات النفط إلى تفاقم أزمتها الاقتصادية، فيما تواجه البلاد ارتفاعاً في التضخم وتراجعاً في مواردها. لكن طهران تراهن على أن كلفة الحرب لن تقع عليها وحدها، وأن استمرار تعطيل هرمز سيجعل الضغط الاقتصادي يرتد تدريجياً على الولايات المتحدة وحلفائها.

وتذهب قراءة «وول ستريت جورنال» إلى أن الحرب باتت أقرب إلى صراع على القدرة على التحمل، حيث يحاول كل طرف إقناع الآخر بأن الوقت يعمل لمصلحته. 

وفي هذا السياق، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد جبهة عسكرية؛ فهو ورقة اقتصادية وسياسية في آن واحد. فإذا تمكنت واشنطن من إعادة تشغيل الملاحة وتجاوز الحصار من دون تقديم تنازلات كبيرة، فإن ذلك سيعزز موقفها التفاوضي. أما إذا طال الإغلاق وارتفعت كلفة الطاقة عالمياً، فقد تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام ضغوط متزايدة للبحث عن مخرج سياسي.

وتحذر صحيفة «واشنطن بوست» من أن استمرار الحرب قد ينعكس أيضاً على صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها، مع اتجاه بعض الدول إلى البحث عن بدائل وتقليل اعتمادها على الالتزامات الأمنية الأميركية.

وبذلك، لا تبدو المعركة الحالية محسومة في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة كل من واشنطن وطهران على تحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للحرب. ومع استمرار أزمة هرمز، يبقى السؤال الأهم: من سيجد نفسه مضطراً إلى تغيير حساباته أولاً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى