أ.د. قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
ليست المدينة المنورة مدينةً عادية في وجدان المسلمين، وليست بقعةً جغرافية يمكن أن تُختزل في حسابات الصراع السياسي والعسكري. إنها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودار هجرته، وفيها مسجده الشريف، ومنها أشرقت مرحلة عظيمة من تاريخ الإسلام.
ولذلك فإن أي اعتداء يستهدف أمن المدينة أو منشآتها أو أهلها لا يمكن أن يُنظر إليه كحادث عسكري عابر.
وقد أثار الاعتداء الحوثي على منشأة كهربائية في المدينة المنورة مشاعر المسلمين، وأعاد إلى الذاكرة حديثًا نبويًا عظيمًا ينبغي أن يتوقف عنده كل من يفكر في المساس بهذه المدينة المباركة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ ـ يَعْنِي الْمَدِينَةَ ـ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».
حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
وليس من حق أحد أن يحوّل هذا الحديث إلى نبوءة سياسية محددة، فيقول إن جماعة بعينها ستزول في تاريخ بعينه؛ فهذا من الغيب الذي لا نملك تحديده. لكن من حق المسلم، بل من واجبه، أن يتأمل الوعيد النبوي البالغ في هذا الحديث.
«أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».
عبارة تهز الوجدان قبل أن تهز القلم.
وقد تذاكرتُ هذه الحادثة مع صديق لي، وهو طبيب سوداني يعمل في مستوصف أبي بكر الصديق في الريان، فقال لي، متأثرًا بحرمة مكة والمدينة ومكانتهما في قلب كل مسلم:
«والله وبالله، نأكل من يعتدي على مكة والمدينة المنورة بأسناننا».
لم تكن كلماته دعوةً إلى العنف بقدر ما كانت تعبيرًا عفويًا عن عمق الغضب والغيرة التي يشعر بها المسلم عندما يسمع أن يدًا امتدت إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه العبارة، على شدتها، تكشف شيئًا مهمًا:
مكة والمدينة ليستا مجرد مدينتين في خارطة العالم؛ إنهما جزء من الوجدان الديني لمئات الملايين من المسلمين.
ومن هنا، فإن من يقترب من حرمتهما لا يختبر منظومة دفاع عسكرية فحسب، وإنما يقترب من قضية تسكن قلوب أمة بأكملها.
لقد علّمنا التاريخ أن القوة ليست دائمًا في كثرة السلاح، وأن الجماعات والدول قد تمتلك أدوات الهجوم، لكنها لا تستطيع أن تضمن لنفسها دوام القوة أو بقاء النفوذ.
أما المدينة المنورة، فقد بقيت عبر القرون.
تعاقبت الدول.
وسقطت الإمبراطوريات.
وتغيرت خرائط العالم.
وظلت المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن يسمعها كل معتدٍ ليست رسالة تهديد، وإنما رسالة تاريخ وعقيدة وحرمة:
على الحوثيين المارقين ان يتركوا مكة والمدينة بعيدتين عن صراعاتكم.
فالمقدسات ليست أهدافًا عسكرية، والمدن التي ارتبطت بسيرة الأنبياء ليست ساحات لاختبار القوة.
ومن يقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعمق يدرك أن «الذوبان» الوارد فيه وعيد شديد، لكن كيفية تحققه وموعده ومصاديقه التفصيلية أمر لا يجوز لنا أن نجزم به من عند أنفسنا.
قد تكون العاقبة انهيارًا في القوة، أو فقدانًا للهيبة، أو تفرقًا بعد اجتماع، أو زوالًا للسلطان؛ والله أعلم بكيفية تحقق وعده ووعيده.
لكن الرسالة النبوية واضحة:
من أراد أهل المدينة بسوء، فقد عرّض نفسه لوعيد شديد جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك فإن من الحكمة أن يتوقف كل من يفكر في استهداف المدينة المنورة أمام هذه الكلمات النبوية، وأن يسأل نفسه: هل يستحق صراع سياسي عابر أن يضع صاحبه في مواجهة حرمة مدينة رسول الله؟
إن التاريخ لا يمنح المعتدين حصانة.
والقوة لا تمنح أصحابها الخلود.
والسلاح لا يستطيع أن يغيّر سنن الله.
أما المدينة، فتبقى.
تبقى في القرآن والسنة.
تبقى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
تبقى في قلوب الحجاج والمعتمرين والزائرين.
وتبقى في وجدان كل مسلم، من مكة إلى بغداد، ومن الخرطوم إلى الدوحة، ومن صنعاء إلى جاكرتا.
ولذلك أقولها لا بلغة الحرب، وإنما بلغة الإيمان والتاريخ:
يا من يقترب من المدينة بسوء، اقرأ حديث رسول الله ﷺ قبل أن تقرأ خرائط الصواريخ.
فقد قال صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».
والأيام وحدها تكشف كيف تجري سنن الله في الذين يعتدون على حرمات الناس ومقدساتهم.
أما نحن، فدعاؤنا واحد:
اللهم احفظ مكة المكرمة، واحفظ المدينة المنورة، واحفظ المسجد الحرام والمسجد النبوي، واحفظ أهل الحرمين، واجعل بلاد المسلمين آمنة مطمئنة، واصرف عن المقدسات كل سوء، واهدِ من أراد بها سوءًا إلى الحق، واكفِ المسلمين شر الفتن والعدوان .



