مع اقتراب الموعد المحدد لانتهاء مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، تدخل التهدئة الهشة بين البلدين مرحلة جديدة شديدة الحساسية. فالموعد المقرر لانتهاء الاتفاق هو 17 أغسطس/آب، لكن الصورة لا تبدو محسومة؛ إذ تحدثت مصادر باكستانية عن موافقة مبدئية من واشنطن وطهران على تمديد وقف إطلاق النار، في حين نفت طهران وجود اتفاق نهائي، مؤكدة أن أي تمديد يجب أن يرتبط بالعودة إلى الالتزامات الأصلية للاتفاق.
هذه الضبابية تجعل يوم انتهاء المهلة أقل أهمية بوصفه «موعداً آلياً للحرب»، وأكثر أهمية باعتباره اختباراً سياسياً وعسكرياً لمعرفة ما إذا كانت قنوات التفاوض قادرة على منع انهيار التهدئة.
مهلة تنتهي.. لكن الحرب لم تنتهِ
مذكرة إسلام آباد لم تُنهِ أسباب الخلاف الأساسية بين البلدين، بل أوقفت المواجهة المباشرة وفتحت الباب أمام مسار تفاوضي يتعلق بالملف النووي والعقوبات ومضيق هرمز. لكن هذا المسار ظل هشاً، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن الالتزامات التي تقول طهران إن واشنطن لم تنفذها.
وتبدو قضية مضيق هرمز في قلب الأزمة الحالية. فإيران تربط إعادة فتح الممر الحيوي بتلبية مطالبها، بينما تواصل الولايات المتحدة الضغط عليها عبر الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية. وفي المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يريد اتفاقاً، لكنه أبقى الخيار العسكري مطروحاً، مؤكداً أن واشنطن مستعدة لاستخدام وسائل متعددة لإنهاء المواجهة.
وبذلك، فإن انتهاء المهلة لا يعني بالضرورة أن الصواريخ ستبدأ في اليوم التالي، لكنه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد إذا فشلت الوساطات في تثبيت التهدئة.
جولة كوبر.. إشارة عسكرية أم استعداد للردع؟
أحد أكثر التطورات إثارة للقلق كان اختتام قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، جولة استمرت 10 أيام في المنطقة، شملت البحرين والعراق وإسرائيل والأردن والسعودية والإمارات، إضافة إلى زيارة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن». وقالت القيادة المركزية إن أكثر من 50 ألف جندي أميركي يعملون في المنطقة ضمن مهمات مختلفة.
وجاءت الجولة في توقيت بالغ الحساسية، إذ ذكرت تقارير إسرائيلية أن كوبر ناقش خلال زيارته لإسرائيل احتمال استئناف الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران، بما في ذلك استهداف منشآت النفط والغاز والكهرباء، باعتبار أن ضرب البنية التحتية قد يدفع طهران إلى تغيير موقفها التفاوضي. لكن هذه الرواية لم تثبت رسمياً، كما نفت القيادة المركزية الأميركية صحة ما نسب إلى قائدها من دعوة إلى استئناف الحرب.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه التقارير في هذا التوقيت يضيف بعداً عسكرياً إلى أزمة المهلة. فالجولة لم تقتصر على إسرائيل، بل شملت عدداً من الدول التي يمكن أن تكون ساحتها أو أراضيها جزءاً من أي تحرك عسكري أو دفاعي أميركي إذا عادت المواجهة.
هل الحرب حتمية بعد 17 أغسطس؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن الحرب ستندلع حتماً بعد انتهاء الاتفاق. بل إن وجود مساعٍ لتمديد وقف إطلاق النار، وعودة الوسطاء إلى التحرك، يشيران إلى أن الخيار الدبلوماسي لم يُغلق بعد. وقد نقلت تقارير أن الولايات المتحدة وإيران أبلغتا الوسطاء موافقتهما المبدئية على تمديد التهدئة، وإن ظلت طهران تؤكد أن لا قرار نهائياً اتُخذ بشأن استئناف المفاوضات.
لكن الخطر يكمن في أن الطرفين يدخلان أي تمديد من موقع مختلف تماماً. واشنطن تواصل تشديد الضغط الاقتصادي والحصار، فيما تتمسك طهران بشروطها بشأن العقوبات وهرمز وتطالب بضمانات تمنع تكرار ما تعتبره خرقاً أميركياً للاتفاق.
لذلك، قد يكون السيناريو الأقرب هو تمديد مؤقت ومشروط، لا تسوية نهائية. وفي هذه الحالة سيبقى خطر الحرب قائماً، لكن مؤجلاً.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في انهيار الاتصالات بالتزامن مع استمرار الحصار، وارتفاع الضغوط الأميركية، ووجود قوات وحاملات طائرات في المنطقة، وغياب قناة تفاوض مباشرة بين واشنطن وطهران. عندها قد يتحول أي حادث عسكري في الخليج أو مضيق هرمز إلى شرارة تعيد المواجهة.
وعليه، فإن 17 أغسطس ليس بالضرورة موعداً لعودة الحرب، لكنه موعد لاختبار قدرة التهدئة على البقاء، فجولة كوبر العسكرية توحي بأن واشنطن لا تريد أن تجد نفسها غير مستعدة إذا فشل المسار الدبلوماسي، بينما تكشف تحركات الوسطاء أن باب التسوية لم يُغلق بعد. وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة أمام أيام حاسمة: إما تمديد جديد يشتري وقتاً للتفاوض، أو انهيار للتهدئة يعيد الخيار العسكري إلى الواجهة.



