حاوره : أحمد القوبري
هذه زاوية نطل بها على مختلف قضايا الساعة عبر حوارات سريعة نحاول من خلالها عبر ” لقاء اللواء” ان نسلط الضوء على الحقيقة وكل جديد في السياسة والرياضة وكل قضايا الوطن والمواطن . وضيفنا اليوم هو عمر الحاسي رئيس الوزراء الليبي الأسبق.
قبل توليكم مسؤولية رئاسة الوزراء في ليبيا في الفترة (2014 – 2015م) كنتم أحد أعضاء هيئة التدريس المتخصصين (بعلم هندسة التخطيط المكاني) وأيضاً (بعلم الجغرافيا) وهذا يعني أنكم جمعتم بين الجغرافيا والسياسة معاً ، ما يهمنا أن نعرف مدى تأثير (الجغرافيا) على “دولة قطر” سياسياً؟
في البدء.. لابد أن نُعرب (لجريدة اللواء) الموقرة ولحضرتك أ. أحمد عن جزيل الشكر لمنحنا شرف هذا اللقاء الذي نعتز به و وفق نص سؤالكم المهم لابد من مناقشة (فرضية صادمة) يقول نصها:
إن دولة ” قطر ” ضحية الجغرافيا!
للتحقق من صدق هذه الفرضية.. نحتاج أن نتزود ببديهات (علم جامع ومهم) يعرفه الجميع باسم: (الجيوسياسية – Geopolitics).. وتجدر الاشارة هنا.. أن نُبين معنى مصطلح (الجيوسياسي – جيوبوليتكل) في مفهوم بسيط ومختصر كونه: تأثير الجغرافيا على السياسة.. أي كيف تكون الجغرافيا (نافعة) للمشروع السياسي في الدولة.. فليس ثمة شك.. أن هناك جغرافيا تساعد المسؤول السياسي على صناعة التطور لبلده.. ولكن في الوقت نفسه.. ثمة أنواع أخرى من الجغرافيا.. تُعيق المسؤول وتفرض نفسها (كقوة قاهرة عليه).. أعني أن ” دولة قطر ” تواجه أنواع من (الجغرافيا القاسية) بالداخل والخارج معاُ.. مما يجعلها ضحية لها.
وجب فهم معنى الجغرافيا (سواء أكانت قاسية.. أم ودودة).. كونها في حقيقتها: فن التعرف على (شخصية المكان) ووصفه.. وتفسير كل ما يقع فيه (بالداخل).. وأيضاً ما يحاك له (بالخارج).. وهذا يجعل (الدولة) كائناً حياً مثل مواطنيها.. فهي تنشأ وتنمو وتزدهر إذا كان عقل المسؤول بها متطوراً.. أو أن تتدهور وتذبل إذا كان عقل المسؤول بها عابثاً وصانعاً للأزمات لدولته أو مُهدداً حتى لإستقرار دول الأخرين.
للحديث الصادق عن ” دولة قطر “.. لابد أن تكون لدينا (أدوات كثيرة) كي نعرف هذا المكان (الكثيف والثري بتجاربه).. ونحن لا ندري (لسوء الحظ أو لحُسنه).. هل نُقدم ” قطر ” للآخرين بوصفها (مساحة مسكونة بالتطور) ومكاناً متفرداً لا شبيهاً له ومتميزاً داخل (جغرافيا مسالمة).. أم بوصفها (فراغاً مذعوراً) ويعيش حالة (الحذر) من فضاءات شرسة وغادرة.. تُجاوره داخل (جغرافيا مُعادية)!
المحلل الجيوسياسي البريطاني (تيم مارشال).. صدر له كتاب منذ سنوات.. وبعنوان مميز هو:
” سجناء الجغرافيا – Prisoners of Geography “
وفي الكتاب رؤية جيوسياسية واضحة وسهلة.. (كشف عنها أكثر من حللوا الكتاب واهتموا به) مفادها:
- أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية (محايدة) للأحداث.. بل هي قوة حية فاعلة.. تُقيد طموحات الدول وتُشكل سلوكها السياسي والعسكري.
- إن الجبال.. والأنهار.. والصحاري.. والبحار.. والخلجان.. والمحيطات.. ترسم حدود القوة والممكن والمستحيل.. وتُفسر صراعات العالم وتحالفاته.
- الدول (سجينة) بحسب موقعها الجغرافي.. والموقع هو من يُحدد نقاط: قوتها وضعفها.. بل ويفرض عليها استراتيجيات دفاعية أو هجومية معينة.. ويجعل (وهو الأهم) بعض الصراعات شبه حتمية.
يمكننا القول.. أنه حين (اعتقلت) الجغرافيا ” دولة قطر” داخل (نتوء) صغير.. لم يمنعها ذلك (الموضع) من التحرر منه.. عبر شخصيتها الفكرية القائمة على الحرية والتطور.. وربما يظهر هذا بوضوح من زاوية أخرى.. عبر تخطيط المسؤولين بها (للمستقبل) الحافل بالمتغيرات الذكية الواعدة.. فعلى الرغم من أن “قطر” تحاول بجهد احترام (التاريخ) المُؤسس لأصالتها.. إلا أنها حين تحاول (السفر عبر الزمن نحو الأعلى).. لا تجعل من (تاريخها الثري ثقلاً يشدها للأسفل).
هل أصبحت الجغرافيا هي الضاغطة على السياسيين لهذا الحد أم العكس.. بمعنى هل المسؤول (مُخير) أمام ما تمنحه الجغرافيا من خيارات.. أم هو (مُسير) وفق ضغوط الجغرافيا الطبيعية والبشرية بالمنطقة؟
حري بنا التطرق إلى نقطة مهمة.. تُشير إلى أن (الحكمة الواسعة والإدارة الواعية لأي مسؤول).. باستطاعتهما أن يقلبا نتائج المعركة.. من (حتمية) الجغرافيا القاسية إلى (احتمالية) الجغرافيا الودودة.. فالمعركة لا تحتاج إلى سلاح فتاك لمواجهة حتمية الجغرافيا البشرية المعادية والقاسية (بالحصار الخانق وحروب الإبادة).. بل البطولة تحتاج إلى سلاح ناعم وراقي في آن واحد.. وهو (العقل المتنور).. الذي يُحيل (العدو) وعقله الكاره ونواياه القاسية.. إلى (ولي حميم) داخل جغرافيا ودودة ومُسالمة.
تأسيساً على ذلك.. نجد أن “قطر” تواجه في (أول الأمر) نوعاً من (التحدي الداخلي) من محددات (الجغرافية المقلقة سياسياً).. والتي بلا شك تفرض نفسها بقسوة على (صانعي القرار بالدولة) عند وضع السياسات الوطنية للتنمية.. من هذه المحددات (الحتمية) نذكر نوعين:
- المحددات (الطبيعية) الضاغطة. ومنها: تاريخ (الموضع) البسيط.. علاقات (الموقع) المعقدة.. جبرية مساحة الدولة واختلاف حدودها بين المرونة والجمود.. العلاقة مع الممر البحري شبه المغلق (الخليج العربي).. الرضوخ للجيمورفولوجيا أو للتضاريس القاسية.. التكيف مع المناخ المتطرف.. والاستفادة من الثروات والموارد الطبيعية.
- المحددات (البشرية) الضاغطة. ومنها: السكان وتنوعهم القبلي.. تغيرات المجتمع بعد اكتشاف النفط وتأثير أمراض الغنى ( كالطلاق.. الكسل.. الديون) على التنمية.. الجماعات الوافدة وتأثيرها في تغيير الهوية والمستقبل.. العلاقات السياسية (غير الآمنة) مع الجيران.. إشكالية التحالفات القديمة (مثال: فاعلية مجلس التعاون لدول الخليج من عدمها).. الموقف من الحروب القريبة والحروب البعيدة.. تأثير جماعات الضغط الدولية على المستقبل السياسي والاقتصادي للدولة.
لا يقف الأمر عند هذا الحد.. فهناك أيضاً أكثر من (تحدي خارجي) يُقلق أي مسؤول بالدولة.. ويحتاج أن يتفهم (جغرافيا كونية كبيرة) تدور فيها ” قطر” مثل (كوكب صغير) يهرول في مدار ثابت.. ولا يستطيع التحرر أو الفكاك منه.. وهي (جغرافيا الشرق الأوسط).. هذه الجغرافيا (الجبرية الخارجية الضاغطة).. تفرض نفسها (للأسف) بشكل تعسفي وأحياناً استعماري.. وظهر ذلك واضحاً حين حاولت بعض (دول الجوار) بشكل صادم وخانق (لجم التطور) “بقطر”.. بعدما لجأت إلى (فرض حصارها الخانق).. ثم هيأت جيوشها (لشن حرب استعمارية) على “قطر” إذا لم تستجب لغرائزهم!. لابد أن نُقدر حجم ما يبذله أي مسؤول بالدولة.. حين يقف أمام كل تلك (التحديات الداخلية والخارجية معاً).. دون أن ينحني لها أو ينهزم أمامها.
في هذه (الجغرافيا المُؤلمة) تتشابك (أذية الأقارب ومكائد الجيران) مع (أطماع الاعداء).. لدرجة يصعب فيها التمييز بين المروءة والمآرب.. وبدون شك هذه (الجغرافيا المضطربة) ستسبب قلقاً مؤلماً لفكر (المسؤول السياسي بقطر).. وهنا لابد أن نجد جواباً للسؤال الذي يتجنب الكثيرين الإجابة عنه.. حين يطرح نفسه بقوة:
هل (احتمالات النصر) للدول الصغيرة المُحاصرة هي أيضاً صغيرة.. إذا ما كانت مأزومة بحكم الموضع والموقع داخل (الجغرافيا الكونية الكبيرة القلقة والمضطربة).. والمعروفة باسم: الشرق الأوسط؟
هل يمكن أن تُبين بوضوح أكثر.. ما إشكالية الشرق الأوسط (الجيوسياسية)؟.. كيف يكون (الشرق الأوسط) منطقة (مؤلمة) لدولة ” قطر” إلى هذا الحد؟ وهل هناك (مسارات) حرة لجعله منطقة (آمنة)؟
ليس ثمة شك.. أن أهم الجغرافيات التي تعانيها “قطر” كضحية هي: الشرق الأوسط.. لأن مصطلح (الشرق الأوسط) هو مصطلح غارق بالتأثيرات (الجيوسياسية).. ونعني أن “قطر” حين تقع (وسط) هذا المحيط الهادر.. ستعاني من كل شيء بهذه الجغرافيا (المهووسة بالحروب والتوحش) في أغلب مفاصل تاريخها وحاضرها.. ونحن نحتاج لفهم هذا (الشرق الأوسط) بشكل (مختصر) في الوقت الذي نعلم فيه جيداً.. أن هذا الاختصار (يُبخس) من مكانة وقيمة الشرق الأوسط.. ولكن يمكن ذكر الآتي لأهميته:
- الشرق الأوسط: منطقة اصطدام لثلاث قارات متباينة (أسيا.. أوروبا.. أفريقيا).. وكانت مهد الحضارات الإنسانية الأولى والوسيطة.. مثل (البابلية.. الأشورية.. السومرية.. الفارسية.. الاغريقية.. الرومانية.. الفرعونية.. والإسلامية..وغيرها)
- الشرق الأوسط: منطقة اصطدام لثلاث ديانات متباينة (اليهودية.. المسيحية.. الإسلام).. وهناك اختلافات داخل (الدين الواحد) بين مدارسه وجماعاته تصل للصدامات الدموية.. هذا بالإضافة إلى وجود ديانات أخرى مثل (البهائية.. الزرادشتية.. وغيرها).
- الشرق الأوسط: منطقة اصطدام لعدد من الأجناس البشرية (عرب.. فرس.. أتراك.. أمازيغ.. تبو.. طوارق.. أكراد.. نوبيين.. أحباش.. أشوريين.. يهود.. أقباط.. وغيرهم).. وبعضهم يطمح لتكوين دولته الخاصة به.
- الشرق الأوسط: منطقة تمثل حلقة وصل بين قارات العالم وكل الدول.. ويتكون من 18 دولة.. منها (13 دولة) هي دول عربية ومسلمة.
- الشرق الأوسط: منطقة ثرية اقتصادياً.. مما يجعله هدف للأطماع الدولية.. فمثلا: به صحاري واسعة (غنية: بالنفط.. الغاز.. المعادن الثمينة.. والإشعاع الشمسي).. وأيضا بالشرق الأوسط أنهار كبيرة بها مناطق لسهول فيضية (ذات تربة خصبة زراعياً).
- الشرق الأوسط: منطقة بها تقريباً 66% من إحتياطي النفط العالمي.. كما أنها المُزود العالمي للنفط والغاز.. وبالذات لقارات العالم المتطور في كل من (أوروبا.. أمريكا.. وآسيا..وغيرها).
- الشرق الأوسط: منطقة واسعة تُطل على أهم البحار والخلجان والمحيطات.. هذا بلإضافة إلى وجود عدد من أهم القنوات والبوابات والمعابر البحرية بها.. والتي من خلالها تتحكم بعض دول الشرق الأوسط في حركة الشحن العالمية إلى حد كبير.
- الشرق الأوسط: من أهم الخلجان الواقعة به بمنطقة (الخليج العربي).. ويبرز (مضيق هرمز البحري) الفاصل بين الخليج العربي والمحيط الهندي المفتوح.. ويمر عبر هذا المضيق نحو ثلث إجمالي الغاز الطبيعي المسال في العالم.. وأيضاً يتدفق النفط عبره بما يُمثل نحو 40% من إجمالي النفط المتداول عالمياً.. كما أن هذا المضيق يُعتبر الممر البحري الوحيد الذي يربط عدة دول هامة مثل: قطر.. البحرين.. الإمارت.. الكويت.. العراق.. بطرق الملاحة والتجارة الدولية.
لكن أصعب ما في هذا الشرق الأوسط: أنه على الرغم من اتساع مساحاته.. وضخامة ثرواته وتنوعها.. واختلاف الثقافات الإنسانية به.. إلا أنه لم يجعل من (ثقافة الاختلاف) حالة ثراء فكري به.. بل جعل منها (ثقافة تنافر) لدرجة صنعت حروباً لا تنطفئ.. قادت (ساكن الشرق الأوسط) عبر عصور متعاقبة.. أن يكون وعيه صادماً.. نعني أنه كان وعياً: قاسياً في ثوابته.. وحشياً في أهدافه.. ومُدمراً لمن يُعارضه.. وعلى الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط تحتكر جغرافية (الأديان السماوية).. الداعية إلى التسامح.. وقبول الاختلاف.. وإحترام التنوع.. إلا أنه اتضح أن الشرق الأوسط لم يُشكل وعي الإنسان ليكون (وسطياً).. بقدر ما نجح في جعله وعياً (مُتطرفاً).. وبالتالي نحن اليوم نحتاج لدراسات (حداثية).. كي تفكك الأزمات بمنطقتنا الشرق الأوسط.. بعيداً عن العواطف.. وبعيداً عن المصالح.. وبعيداً عن البطولات المزيفة.
المؤرخ والباحث المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.. الفرنسي (هنري لورنس).. أشار بكتابه القيم.. والذي يُعد (من أهم المراجع) التي تبحث تكوين الشرق الأوسط الحديث.. وأثر الصراعات الدولية به.. حيث يُبين (لويس) فيه.. أن (النظام السياسي العربي الحالي) هو نتاج (لعبة دولية كبرى).. ولذلك كان عنوان الكتاب واضحاً:
” اللعبة الكبرى: الشرق العربي المعاصر والصراعات الدولية “
حيث كشف (لويس) أن الصراعات المعاصرة الدائرة بالشرق الأوسط.. وأهمها الصراع (العربي – الإسرائيلي) .. هو نتاج لسياسات غربية استعمارية (مُدبرة) بدء من (وعد بلفور).. لدرجة أن (القضية الفلسطينية) أصبحت ورقة يلعب بها الجميع.. تُحركها (القوى الكبرى الغربية) لابتزاز المنطقة وإعادة استعمارها.. وتستخدمها (الأنظمة العربية) لتأجيل الإصلاح الداخلي وإلهاء الجماهير الفقيرة عن الثورة.
يبدو واضحاً أن (الشرق الأوسط) على الرغم من ثرواته الطبيعية الهائلة.. إلا أن أفكار (الإنسان) حولته إلى ساحة (لصراع أطماع) لا ينتهي.. السؤال: هل هو صراع اقتصادي.. أم صراع من نوع آخر؟
ليس ثمة شك.. أن الحروب التي سمعنا عنها سابقاً.. والحروب التي نشهدها حالياً.. والأخرى القادمة حسب مناطق الصراعات بالشرق الأوسط.. منذ عقود الاستعمار وقرون التخلف الفكري التي سبقتها.. تُؤكد أن (الصفة السائدة بالشرق الأوسط) هي (الحروب).. وأن (السلام) لم يكن سوى (الصفة الشاذة) لهذة القاعدة المؤلمة والمُكلفة.. وبالتالي لم يكن خافياً على من يطلع على تاريخ هذه المنطقة.. أن يستغرب مما يذكره المؤرخون عن (تاريخ) الدول الشرق الأوسط.. المليئة بالجثث المُبالغ في أعدادها.. والمؤامرات التي تُحاك داخل البيت الواحد.. والقسوة المُبررة بتشريعات المُقدس المُزورة.
من البديهي أن تكون المصالح الذاتية والاقتصاد الجشع هما المُحرك لأطماع الكثيرين.. لكن تلك (الأطماع) كان دائما تتكئ على (الدين) ليجد لها (تشريعات مزورة) لتبرر الغزو واستعباد الآخرين.. وهذا كان واضحاً منذ أن كان الشرق مسرحاً للوثنيات القديمة مثل (الفارسية.. الاغريقية.. الرومانية.. والفرعونية.. وغيرها).. وعلى الرغم من اعتراض البعض.. إلا أن (فتوحات التوسع للدولة الأموية.. وحتى الدولة العثمانية).. هي الأخرى لم تكن إلا داخل مفهوم التوسع الاقتصادي تحت راية الدين.. وهي بلا شك (اعتداءات شرعتها المنابر).. ولم ينس ورثة (الحملات الصليبية) إلى اليوم.. أن (حروبهم المقدسة) لم تنته بعد!.. وأن حُلمهم قارب تحقيقه.. ولكن هذه المرة عبر (الطائرات المُسيرة).. و(الذكاء الاستعماري المُدمِر)!
لذا كانت آخر محاولات (الحروب الصليبية) هي الاتيان (بعصابات اليهود الكارهة للإنسانية).. حيث تم جلب تلك القطعان التي تُعاني التشتت والحقد.. من شرق أوروبا المُحطمة بعد انتهاء ويلات الحرب العالمية الثانية.. ليؤسسوا لهم (كياناً صهيونياً) في قلب الشرق الأوسط سنة (1948م).. ومنذ وصول تلك العصابات واحتلالها لأرض فلسطين.. لم يتوقف (معتنقي النجمة السداسية) عن ارتكاب المجازر والفضاعات بشعب فلسطين الأعزل.. لتكون حالة انتقام وحشية (ماسونية) في شعب بسيط ومسالم.. مُعللين ذلك بسبب ما عانوه أولئك اليهود الحاقدين بمعسكرات الإبادة النازية (المزعومة).
لقد طالت الانتهاكات الصهاينة حتى المسيحيين (الانقياء) من الفلسطينيين بالأراضي المحتلة.. ويمكن القول أن أغلب رجال الكنيسة اليوم في دول (مثل: لبنان والأردن).. من الذين تم (طردهم) من مدائن بفلسطين المحتلة (مثل: حيفا.. بيت لحم.. الناصرة.. والجليل وغيرها).. من بعد نكبة 1948م ونكسة 1967م.
الإعلامي الأمريكي (TUCKER CARLSON) في برنامجه الشهير مطلع العام 2026م.. كان له لقاء مهم مع (رئيس الأساقفة الأنجليكاني في القدس المطران: حسام نعوم ).. والذي كشف فيه (رئيس الأساقفة) أن وراء ما يحدث بالأراضي المقدسة من انتهاكات دينية مُروعة.. يأتي من تأييد معنوي ومادي (لجماعات مسيحية أخرى متصهينة).. وهي جماعات مُهيمنة ومُؤثرة.. في القرار السياسي لدولة كبرى مثل (الولايات المتحدة الأمريكية) وغيرها.
تأسياً لما سبق.. تقع الإبادة البشرية.. حين يتخذ مُرتكبوها من الشرائع (المُحرفة) وسيلة لإرتكاب خطيئة قتل الإنسان كونها عبادة نقية وخالصة للرب.. وهذا يقودنا لطرح تساؤل آخر.. يُؤرق الكثير من المُحللين حول حقيقة التنظيمات التي تدعي نسبها للإسلام مثل “القاعدة” و”داعش” وغيرها.. يقول التساؤل:
لماذا الجماعات الإرهابية الإسلامية.. المتواجدة داخل الشرق الأوسط.. لم تُهاجم الكيان الصهيوني في أي يوم.. بل لم تشارك في أي حرب ضده.. فتنظيم “داعش” أرعب دول الشرق والعالم أجمع ما عدا “إسرائيل”.. الصادم حسب تصريحات جادة لمسؤولين غربيين.. أن جرحى هذا (التنظيم الإسلامي) كانت تُعالج بمستشفيات “الكيان الصهيوني”؟
نحن نرفض أي (مُزور للنصوص المقدسة بدينه) أن يُشرع قتل الأبرياء من أي ديانات أخرى بالعالم.. ولا نقبل حفر القبور لأي (مُعارض) بأي بقعة بالكرة الأرضية.. ومن المُحزن أن هناك أكثر من خديعة يتم تمريرها (مرة باسم الدين المُحرف.. وأخرى باسم الوطنية الكاذبة).. ونجد (بيننا) من يُؤمن بها ويتعصب لها.
المفكر والأديب الليبي الراحل (الصادق النيهوم).. كتب في مقال له عام 1967م.. بإحدى الجرائد الليبية:
مقاومة الإرهاب بالإرهاب نظرية أثبتت فشلها على الدوام.. لكنها صارت في هذا العصر المُضحك تُنتج الأنبياء
بعد مرور أكثر من العام.. على ذكرى قصف الكيان الإسرائيلي (الغادر) للعاصمة (الدوحة) بتاريخ: 9/9/ 2025م.. ما دلالة هذا العدوان من وجهة نظركم؟
أغلب الأحرار بالعالم اكتشفوا أخيراً.. حقيقة فضائع (الكيان الصهيوني الغاصب) منذ العام 2023م وإلى اليوم.. بعد ارتكابه المذابح بالأبرياء من: الأطفال والنساء وكبار السن والمُقعدين.. المكدسين جميعاً بلا ملاجئ (بقطاع غزة الذي يتعرض للسحق بيد الأعداء.. وبمشاركة من خونة العرب).. إن أطماع (معتنقي النجمة السداسية) ليس (التهام) فلسطين وحدها بعد إفناء شعبها بدون أي تمييز.. أو حتى الاكتفاء (بزرع كيان سرطاني) بقلب الشرق الأوسط فحسب.. بل أحلامهم المُريبة الحافلة بالكراهية تدفعهم (لإحتلال العالم وتهويده) بشكل متوحش.. وبموجب (نصوص دينية مزيفة.. ومُسرفة في إبادتها لكل ما هو حي)!
لقد طالت (هجمات الصهاينة) ” دولة قطر” الدولة الداعمة للسلام.. حين قصفت (بصواريخ الموت الموجهة).. أحياء سكنية عامرة بالمدنيين في العاصمة القطرية (الدوحة).. عصر يوم الثلاثاء الموافق: 9 سبتمبر للعام 2025م.. في الوقت الذي كان فيه (المسؤولين القطريين) يجتمعون مع بعض (قادة حركة حماس الفلسطينية).. في محاولات منهم لأجل (إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس بغزة).
(غرف العمليات العسكرية الصهيونية) أطلقت على هذا القصف الغادر ” لدولة قطر” اسم (عملية: قمة النار).. لينجم عنها استشهاد عدد من الأبرياء وإصابة الكثيرين.. وليصرح بعدها رئيس وزراء الكيان الصهيوني (بنيامين نتنياهو: المطلوب لدى “المحكمة الجنائية الدولية” بتهم ارتكاب جرائم حرب).. في حواره مع قناة (آي 24 نيوز – i24 NEWS) الإسرائيلية.. مبرراً جريمته:
لقد هاجمتُ “قطر” وقصفتها.. لأنها دولة مُعادية.
نحن تعلمنا بعد تجارب مريرة ومُكلفة.. أن ما يحدث في (فلسطين المحتلة) وبقية الشرق الأوسط.. ليس له علاقة (بعلم السياسة).. بقدر ما له علاقة (بعلم الجريمة).. وأن ما تُنتجه (رؤوس الصهاينة) ليس بسبب جهلهم بالتاريخ أو بالوطنية أو بالحقائق المؤكدة.. بل لأن هؤلاء الصهاينة يُعانون من (جهل مقدس صنعته وصايا مزيفة).. وهذا يتطلب منا جميعاً هدم المعبد على رؤوسهم كي يستيقظوا.. ويُعيدوا قراءة (الوصايا العشر الحقيقية).. مثلما أنزلت من السماء كمشروع أخلاقي.. وليس كما حرفها مزوريهم الخبثاء.
السؤال الذي يطرح نفسه:
كيف سيتمكن (مسؤول ما) في ” قطر” من إقناع (كياناً دموياً) بفكرة السلام.. بعدما حرف هذا الكيان تشريعاته وآمن بالمُزيف منها.. منذ أكثر من: 3500 سنة مضت.. لأجل بناء هيكل فوق جماجم الفلسطينيين الأبرياء.. ولإحداث كوارث بمن يعترضهم وبما فيها ” قطر”.. وبشكل بالغ القسوة.
إن هذا الجهد الخارق من أي (مسؤول) حتما سينتهي بقصف (عاصمته).. كما حدث سابقاً لأكثر من عاصمة عربية.. وبمبررات كاذبة من ذاك (الكيان الغاصب) لا تكشف إلا عن غرائزه الشيطانية.. لأن الصهاينة مازالوا يؤمنوا أنهم شعب الرب (المختار).. وأن بقية الشعوب ما هم إلا (قرابين وثنية ساذجة وحمقاء).. يجب تقديمها (لرب إسرائيل الغاضب) بشكل دموي وجماعي وبلا انقطاع.
” وبالطبع إن وجودك داخل هذه الجغرافيا المهووسة بالقتل.. يجعل منك ضحية وليس مُنقذاً “
يبدو واضحاً أن الموقف السياسي (للولايات المتحدة الأمريكية) ينحاز بشكل كبير (للمشروع الإسرائيلي) بمنطقة الشرق الأوسط.. فما مبررات هذا التحالف.. هل هي سياسية أم هناك دوافع أخرى؟
مثلما أشرنا سابقاً (الدين المُحرف) هو من يُبرر قتل (الآخر المُخالف).. بقصد الإستيلاء على كل ما يملك.. وكي نتفهم الموقف السياسي (للولايات المتحدة الأمريكية) المُنحاز (للكيان الصهيوني الغاصب).. لابد من معرفة أسباب عبادة أمريكا (للعجل الذهبي).. ولماذا تُضحي (بحقوق مواطنيها) لأجل (مصالح الصهاينة).. يبدو واضحاً أن (الدين الملوث بالأكاذيب) يقف وراء هذه (العلاقة السياسية المُخجلة).
الصحفية والكاتبة الأمريكية (غريس هالسل).. لها عدة كتب جريئة ومهمة.. ولعل منها كتابها الصريح:
” إرغام يد الله – Forcing God’s Hand “
تكشف (هالسيل) ظاهرة شاذة ومتناقضة: وهي تحالف (المسيحيين المحافظين في أمريكا) مع (الصهاينة).. وتطرح سؤال مهم: أن (جماعة المسيحيين المحافظين) لا تُخفي عداءها لليهود (لأن اليهود يعتبرون المسيح ابن زنا.. وتسببوا في تعذيبه وصلبه بين اللصوص.. وأنه خالد في قاع جهنم بقدر يغلي بالفضلات البشرية).. فكيف تصبح هذه (الجماعة المسيحية المُتشددة) من أكثر المدافعين عن “اليهود” وعن “إسرائيل”؟
الحقيقة التي تفضحها (هالسيل) هي أن هناك (عقيدة) باتت متحكمة في السلطة بالولايات المتحدة الأمريكية.. وتزعم أن (تحقيق نبوءات نهاية الزمن) ستكون في (الشرق الأوسط).. وأن (إسرائيل الكبرى) هي أرض الميعاد (لمعركة هرمجدون).. وأن هذه الرؤى تتطلب بناء (الهيكل الثالث) بعد تدمير (المسجد الأقصى).. ليس ثمة شك.. أن دعم (إسرائيل) وتوسيع حدودها بالشرق الأوسط (ليس عملاً سياسياً).. بل هو (واجب ديني مقدس) كي يعود (المسيح) إلى الأرض سريعاً.. و(قادة الولايات المتحدة الأمريكية) يُؤمنون بهذا (الهراء الديني).. و(يحنون ظهورهم) كي يمتطيها (زعماء صهيون).. لأجل أن يحكموا العالم!
كم هو مؤسف.. أن (الكثير من قادة العرب) يؤمنون أن (الولايات المتحدة الأمريكية) هي حليفتهم بالمنطقة.. وأنها ستحميهم حتى من (إسرائيل).. لقد غاب عن فكر (قادة العرب) أن أمريكا ليس لديها حليف إلا (إسرائيل).. وأن (أمريكا) تقدم كل شيء لأجل أن تسحق (إسرائيل) كل (الدول العربية) بالشرق الأوسط.
كثير من (مراكز التحليل السياسي العالمي).. تؤكد دراساتها أنه إذا تم (لأسرائيل) هزيمة (إيران) بواسطة (القوة الأمريكية الغاشمة).. فإن الدور القادم (بالسحق والابادة) سيكون لعدة دول أخرى بالمنطقة.. ومنها:
لبنان.. سوريا.. الأردن.. العراق.. الكويت.. شمال السعودية.. جنوب تركيا.
الكيان الصهيوني لإسرائيل الغاصبة.. هو كيان استعماري له حلم ديني ببناء (إسرائيل الكبرى).. و أن هذا (الكيان) في سبيل تحقيق (حلمه التوراتي المقدس).. سيرتكب أكثر من (مذبحة قادمة) بشعوب الشرق الأوسط.. وسيجر الولايات المتحدة الأمريكية (من أنفها).. نحو حرب دينية تدميرية شاملة.
اتضح أن (الدين) لدى دعاة الديمقراطية لم يعد مجرد (إيمان).. بل بات (قوة جيوسياسية).. كتب أحد العقلاء:
” إن النصوص الدينية المُحرفة.. أصبحت المُحدد للأهداف السياسة الكاملة لدولة عظمى.. مثل أمريكا “
كيف ترى وضع (دولة قطر).. في ظل الصراع الدائر اليوم في (مضيق: هرمز)؟
ما يحدث في (الشرق الأوسط) بالعام 2026م.. يُمثل امتداداً لكراهية قديمة وملوثة بالمقدس المُحرف.. لحروب دينية تتستر تحت شعارات مختلفة.. فمرة سياسية بحجة: تأمين الملاحة الدولية.. ومرة اقتصادية بذريعة: ضمان تدفق النفط إلى الأسواق الدولية.. وأخرى أمنية بقصد: حماية مصالح الرعايا وحقوق الإنسان بالمنطقة.. أعني أن الصفة السائدة (بالحروب الدينية) هو تمرير الغايات الدنيئة تحت غطاء من الوسائل الموقرة بشكل مُضلل للكثيرين.. لكن في حقيقتها تظل (حرب دينية وحشية) ولن تنتهي في أمد قريب.
الصهاينة يعتبرون (تزييف الحقيقة) دهاء أخلاقي.. والأمثلة كثيرة لا تُحصى في سياساتهم المعاصرة.. ويمكن بوضوح تتبع كيف يُغير الصهاينة (سردية) أي فجيعة يرتكبونها.. وكيف يضعوا المُزيف بديلاً للحقيقة:
- رئيس وزراء إسرائيل الأسبق (جولدا مائير) قالت وبدون خجل.. في نص مروع وشديد الوضاعة:
يمكننا أن نُسامح العرب على قتلهم أطفالنا.. لكن لا يمكننا أن نصفح عنهم.. لإجبارنا على قتل أطفالهم. - رئيس وزراء إسرائيل الحالي (بنيامين نتنياهو) كتب في مؤلفه الذي حمل العنوان:
” مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم – A Place Among the Nations: Israel and the World “
هذا الكتاب هو سردية إسرائيلية طافحة بالأكاذيب التاريخية.. فهو تارة يُبرر الإحتلال الصهيوني وقسوته.. وتارة أخرى يُلغي الهوية الفلسطينية للمكان.. أعني أنه ليس كتاباً ضد الفلسطنيين وحدهم.. بل ضد أي مشروع للسلام بمنطقة الشرق الأوسط.. ويُقر (المُؤلف) بإستمرار الإحتلال.. ويرفض أي حديث عن التفاوض.. مُعتبراً أن معاهدات السلام ما هي إلا (حصان طروادة) لإحتلال إسرائيل.. بل الأسوأ حين يعتبر – ضمن أكاذيبه – أن أي (صهيوني) ما هو إلا (ضحية).. ويحاول الدفاع عن نفسه ضد (الفلسطيني المعتدي).
نستخلص من كل هذا الهراء الذي يُؤمن به قادة أمريكا.. أننا سنواجه سلسلة قادمة لحروب لن تتوقف.. يصنعها الصهاينة (بأكاذيبهم الدينية).. وتتورط بها أمريكا (لإيمانها بالمزيف).. وضحيتها سيكون الشرق الأوسط.. وما (الحرب الدينية) ضد (إيران).. إلا بسبب الخوف من قدرتها على انتاج سلاحها النووي.. فيجعلها منافساً (لأكثر من (90) رأساً نووياً) يمتلكها (الكيان الصهيوني) لأجل حروبه التوسعية القادمة.
حسب (تحليلنا) لتقارير كلاً من (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI” – ورابطة مراقبة الأسلحة “Arms Control Association”).. يتضح أن (الهيمنة على مضيق هرمز) باعتباره جغرافياً من أكثر نقاط الاختناق الاستراتيجية أهمية في العالم.. هي السبب الرئيس (لحرب استعمارية دينية عالمية) مباشرة.. التي تشنها (الولايات المتحدة الأمريكية.. وشريكها الكيان الصهيوني إسرائيل).. ضد (إيران).. على الرغم من وجود عدد من دول أخرى.. داعمة لأطراف النزاع العسكري بشكل غير مباشر.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم:
كيف يمكن لدولة صغيرة وناشئة مثل “قطر” أن ترعى السلام (بقفازات بيضاء).. في جغرافيا كاره حين تسعى (أغلب القوى الدولية) لجعلها ساحة فناء نهائي لأتباع ديانات المنطقة.. تلك الديانات التي تُصنفها (النجمة السداسية مع أتباعها).. كونها (مجرد هرطقات) وجب سحقها.. والتنكيل بكل اتباعها (الوثنيين)؟
كيف إذن برأيكم.. يمكن وضع مخطط للسلام.. بهذه الجغرافيا المتأزمة؟
ليس ثمة شك.. أن منطقة الشرق الأوسط بها (رؤوس ذكية) تطمح لتأديب الكيان الصهيوني الأخرق.. بعدما عجز كثير من (الأنبياء) عن إصلاحه عبر أكثر من رسالة سماوية.. هكذا يبدو للبعض أن تحقيق السلام في هذه المنطقة الطافحة بالعداء المتوارث والكراهية الدينية.. أنه أمل يائس وهدر للطاقة.. وحري بنا جميعاً البحث عن (أدوات جديدة) لإلغاء ذلك الجهل المزمن والنوايا الدموية.. التي يحملها الصهاينة لكل شعوب الشرق الأوسط ولبقية العالم.. ولننتبه أن (العنف والابادة) ليست أدوات للحل.. فهي من جعلت ذلك الكيان مكروهاً ومُقززاً من كل أحرار العالم.. بعدما آمن ذاك الكيان بتلك الأكاذيب الدينية الحاقدة.
دعنا في البدء نُؤكد.. إن العقل الواعي في ” قطر ” استطاع طيلة السنوات الماضية (وبشكل عجز أقرانه وجيرانه عن تحقيقها).. أن يمتلك أكثر من (سلاح راقٍ) حقق به أكثر من (نصر عالمي) على الجغرافيا التي حاولت حبسه داخلها.. بالطبع نحن لا نتكلم عن أسلحة فتاكة وحروب وجرائم ضد إنسانية.. بل عن ما يمكن (للعقل الواعي) أن يتحصن به وسط عالم مهووس بالقتل.. ومن ضمن هذه الأسلحة الراقية: تبرز (قناة الجزيرة) كأقوى الأسلحة.. فبثها يصل لكل البيوت بما فيها أوكار الأعداء.. واستطاعت بالحرف الصادق واللون الهادئ والإشارة الذكية.. إرهاق الخصوم الذين يفتقدون لمثل هذا السلاح المتنور والفعال.. ولا نُبالغ أن هذا (السلاح النبيل والواعي) هزمت به ” قطر ” أكثر من عدو كانت جيوشه تتهيأ لانتهاك حرمتها.
من المفيد أن نؤكد.. أن نيل شرف إقامة المهرجانات العالمية للشباب مثل (استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم للعام 2022م).. يأتي (كسلاح ثاني) بمجال مهم ومؤثر (بعقلية الشباب بكل العالم).. فقد فاقت “دولة قطر” بجودة التنظيم وكرم الضيافة وجمال العروض.. ما عجزت عنه (بعدها) ثلاث دول كبرى مشتركة هي (الولايات المتحدة الأمريكية.. كندا.. والمكسيك).. حينما استضاف الثلاثة (بطولة كأس العالم لكرة القدم للعام 2026م).. لقد أثبت ” القطريون البسطاء والطيبون” أن الجمال والابداع وذكاء العرض لا يحتاج إلى (جغرافيا الليبرالية الغربية) أو (وحشية الإمبرالية العالمية).. بل فقط تحتاج إلى (حاكم ذكي ويحب التميز لبلده).. أعني أيضاً أنه كان (قادراً بحكمته) على جعل وطنه (بجغرافيته الصغيرة).. مضرب المثل في فن الإدارة الجذابة.. لدرجة لفتت انتباه كل شباب العالم وقادته – منذ تلك البطولة – لقيمة ومكانة ” قطر “.
وتجدر الاشارة أن (السلاح ثالث) وهو سلاح (العقل المتبصر) الذي يمتلك رؤية للمستقبل.. ويمثل هذا السلاح (مراكز الدراسات الإستراتيجية) ” بدولة قطر “.. وهي أجهزة استشارية تهدف إلى (تقديم الدعم) للمسؤول الأول بالدولة ولبقية سلطاتها وأجهزتها.. وأيضاً وهو الأهم (تقييمها للأداء السياسي والاستراتيجي) للدولة دونما تمييز.. فمن هذه المراكز البحثية عادة تخرج (رؤوس ذكية).. لها القدرة أن (تسبق حدوث الأزمة) التي تهدد استقرار الدولة وأمن الشعب.. لتُحيلها إلى نجاح وسلام دائمين.
تأسيساً على ما مضى.. ثمة جهد صعب وقاسي النتائج ومُرهق في احتمالاته.. يجب أن يقوم به من يشغل أهم منصب.. وأعني به (مستشار الأمن القومي لدولة قطر).. هو جهد حتما لن تكون أغلب أدواته (قفازات بيضاء).. فهو يعلم أنه يسكن (جغرافيا حاقدة) كانت وستظل محاريث الأرض بها البنادق.. وبذورها الجماجم.. وأمطارها الدماء.. هذا (المستشار المميز) يستطيع اكتشاف بل واختراع أكثر من سلاح نبيل غير السابقة.. كي تُحطم ” قطر ” السجون الجغرافية التي تُكبلها.. لتُحقق كل الغايات السامية التي تطمح لها.
الأكاديمي المتخصص في تاريخ الأفكار السياسية بالشرق الأوسط.. الكندي – السويسري (تييري هنتش).. له كتاب مميز.. مهم.. وجدير بالقراءة بعنوان:
” الشرق المُتخيل: رؤية الغرب السياسية للشرق الأوسط “
المفكر (ت. هنتش) شرح في بعض فصول كتابه.. أن الشرق الأوسط (لم) يفهمه (الغربيون) كجغرافيا حضارية عظيمة.. تلتقي بها القارات.. الأديان.. الشعوب.. والمصالح.. بل عرف (الغربيون) الشرق الأوسط بشكل آخر.. فقد (تخيلوه) بأشكال مختلفة قبل أن يصلوا إليه.. فمرة تخيلوه (يُحقق مصالحهم).. ومرة أخرى (يُؤكد مخاوفهم).. ومرات كثيرة (يُنفذ رغباتهم).. أعني أن هذا (الشرق المُتخيل) لم يكن في الحقيقة إلا (مرآة عاكسة) اكتشف فيها الغرب (نفسه) الطيبة والشريرة معاً.. وبهذا اعتبر المفكر (ت. هنتش) أن الشرق كان هو (الآخر) الذي يحتاجه الغرب ليعرف (ذاته) وكل رغباته المكبوتة فيه.
إن المعرفة التي امتلكها (مستشار الأمن القومي بقطر).. في الكشف عن هوية (الغرب) وكل معرفته الفكرية والسياسية تجاه (الشرق الأوسط) التي تطورت بين المصالح والمخاوف لأكثر من 2000عام.. هي التي مكنت (مستشار الأمن القومي بدولة قطر).. أن يُحقق انتصاراته من خلال (ثلاثة) من أسلحته السالفة (الإعلام.. الشباب.. وصناعة الفكر والقادة).. وهي قادرة على تحقيق مزيد من الانتصارات الباهرة وبأسلحة أخرى جديدة.. تزخر بها ” دولة قطر “.. فثمة أكثر من حرب قادمة بهذا الشرق الذي عادة ما ينتصر به الأذكياء.
هناك ملاحظة أخيرة.. وهي أيضاً تعتبر (سلاح مهم) لا يتقن التعامل به إلا الحكماء الشجعان.. وهو قبول (النقد) والاستعداد (للمراجعة).. فأجمل الثقافات تبقى (ثقافة الاعتذار والتراجع) لتغيير المسار الخاطئ.. ومواجهة الإخفاقات.. والذهاب نحو المسار الأصوب.. وهي (سُنة الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام).
عالم النفس الاجتماعي الأكاديمي الأمريكي (إيرفينج جانيس).. يُعد أبرز المتخصصين في علم اتخاذ القرار والسلوك الجماعي.. من مؤلفاته التي تتطلب قراءتها.. كتاب بعنوان:
” التفكير الجماعي: دراسات نفسية للقرارات المتعلقة بالسياسات والإخفاقات –
Groupthink: Psychological Studies of Policy and Fiascoes “
ويمكن فهم قيمة هذا الكتاب القيم.. من خلال تحليل قدمه للكتاب.. أحد المختصين الحاذقين.. حينما قال:
إن قوة أي نظام سياسي برئاسته وسلطاته ومؤسساته.. لا تُقاس فقط بقدرتهم في فرض القرارات على بقية الأمة.. بل أيضاً بقدرة هذا النظام السياسي.. على السماح بوجود الاختلاف.. وقبول النقد البناء.. والرضى بالمراجعة.. ولذلك لا تُعد دراسة (التفكير الجماعي) مجرد دراسة (لآليات اتخاذ القرار).. بل دراسة (لشروط الحكم الرشيد).. والعلاقة بين كل من: السلطة والعقلانية.. القيادة والحرية.. وبين الإجماع والحقيقة.
منذ مدة يتم تصنيف دولة ليبيا وفق المؤشرات العالمية لقياس الاستقرار بأنها ضمن قائمة الدول الهشة أو الدول الفاشلة فهل تعكس هذه المؤشرات حقيقة الوضع الذي تمر به ليبيا اليوم؟
كم هو صادم هذا السؤال وجارح ومؤلم ، وكيف لا ، عندما يتم وصف (دولة بلدك) بالفاشلة ، لكن دعني في البدء أحييك على شجاعة الطرح ، وعلى صدق الحوار ، وأيضاً على واقعية السؤال ، دعنا جميعاً نتفق عن تحديد مفهوم (الدولة الفاشلة) ، حتى نقف على موضع (دولة ليبيا) منه ، ليس ثمة شك أن مصطلح (الدولة الفاشلة) كان قد ظهر في قواميس السياسة (مطلع تسعينيات القرن العشرين) واستخدم لأول مرة في عهد الرئيس الأمريكي الثاني والأربعين (وليم كلينتون) ونُعتت به الدول التي باتت تُشكل خطراً على الأمن والسلام العالميين وتحديداً بعد انهيار (الحكومة الصومالية) وما نتج عن ذلك من كوارث إنسانية ، لذلك ظهرت عدة تعريفات تحدد مفهوم (الدولة الفاشلة – Failed State) كما ورد (بالموسوعة السياسية) ونذكر منها للقارئ الكريم ما يلي:
- دراسة كلاً من (جيرالد ب. هيلمان وستيفن ل. راتنر) عام 1993م التي اعتبرت (الدولة الفاشلة هي التي لم تعد قادرة أن تكون كيان مستقل)
- دراسة (وليم زارتمان) عام 1995م التي صنفت (الدولة الفاشلة تلك التي لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الأساسية) ومن هذه الوظائف الأساسية ، توفير الحريات العامة ، منظومة الأمن ، العناية الصحية ، كفالة التعليم ، نظام اقتصادي ناجح ، بنية تحتية مكتملة وغيرها.
توسعت الدراسات حول مفهوم (الدولة الفاشلة): - ورأى آخرون أن (الدولة الفاشلة هي تسيطر عليها أو تحكمها المجموعات المسلحة ، سواء أكانت قوات مسلحة انقلابية مثل: الجيش الوطني أم مليشيات ثورية مسلحة تظهر عقب كل ثورة مغدورة مثل المجموعات الجهوية أو الطائفية أو القبلية أو الدينية أو غيرها).
- بينما اعتبر بعض الباحثين أن (الدولة الفاشلة هي التي تفقد السيطرة على وسائل العنف الخارج عن الاطار القانوني للبلاد) وبالطبع هذا يعني أن الدولة تصبح عاجزة عن تحقيق السلام الأهلي والاستقرار لشعبها ، وأيضاً عاجزة عن فرض السيطرة على أراضيها أو حتى جزء منها وبالتالي لا تستطيع ضمان النمو الاقتصادي ووجود التنمية العادلة ، هذا بالإضافة إلى بروز الصراع المسلح بين كل القوات غير النظامية والمرتزقة الأجانب للهيمنة على الموارد والثروات الوطنية للدولة.
ولأن أجمل الثقافات ثقافة الاعتراف ، يمكننا – وفقاً لما سبق – وضع (فرضية سياسية) تقول:
دولة ليبيا تعاني كل الظروف الصانعة للفشل ، مما يجعلها مؤهلة لتصنف مستقبلاً دولة فاشلة.
وبالطبع كان لابد من التحقق من صحة هذه الفرضية وهذا ما يدفعنا للإطلاع على (أهم المقاييس الدولية) تلك التي صممتها عدة (مراكز عالمية) متخصصة في دراسات السلام والتنمية ومنها أهم مقياسين:
أولاً: (مقياس الدول الهشة – (FSI) Index Fragile States) صممه كلاً من: (صندوق لأجل السلام – Fund For Peace) مؤسسة أمريكية مستقلة ، بالإشتراك مع مجلة (السياسة الخارجية – Foreign Policy) الأمريكية لإصدار (تقارير سنوية) حول (الدول الهشة) للعلم هذا المقياس يستخدم عبارة (دولة هشة) لكنه سابقاً كان يستخدم عبارة (دولة فاشلة) ويقوم المقياس بتصنيف الدول وترتيبها عبر (4) مؤشرات رئيسة ولكل مؤشر (3) معايير ويقيس الدرجة من (120) ويمكن النظر للمؤشرات الأربعة على النحو الآتي:
المؤشرات السياسية ، المؤشرات الاقتصادية ، المؤشرات الاجتماعية ، ومؤشرات التماسك والتدخل ، وقد كشف (مقياس الدول الهشة) للأعوام: 2024 – 2025م أن أكثر الدول هشاشة أو الدول الأعلى خطورة للسلام والأمن العالمي هي (10 دول) يمكن ترتيبها وفق الآتي: الصومال، السودان، جنوب السودان، سوريا، الكونغو، اليمن، أفغانستان، أفريقيا الوسطى، هاييتي، تشاد.
والسبب في تصدر هذه الدول للقائمة كونها تعاني: صراعات مسلحة مستمرة ، حروب أهلية ، وتدهور حاد في الحوكمة والخدمات الأساسية ، (دولة ليبيا) لم تكن ضمن هذه الدول ، لكنها كانت قريبة جداً من هؤلاء العشرة ، حيث كان ترتيبها (16) ، المقياس لم يجعلها ضمن الدول الهشة ولكنه صنفها ضمن مجموعة الدول التي بها (مستوى الإنذار المرتفع بالخطر) والقريبة جداً من الفاشلة لأن (دولة ليبيا) تعاني من المخاطر الآتية:
- الانقسام السياسي وغياب الاستقرار الأمني.
- اضطراب المؤسسات وعجز الاقتصاد.
- ضعف تماسك أجهزة الدولة العامة.
لمزيد من تقييم الوضع في (الدولة الليبية) كان لابد من اختبارها بمقياس عالمي آخر ويختلف عن سابقه في مؤشراته ومعاييره وبالتالي في صدق نتائجه.
ثانياً: (مقياس برتلسمان للتحول – (BTI) Bertelsmann Transformation Index) الذي يصدر (كل سنتين) لقياس (3) مؤشرات وهي الديمقراطية ، اقتصاد السوق ، الإدارة السياسية ، ويقيس الدرجة من (10) لتحديد مكانة الدولة حسب كل مؤشر ، وفي تقييم وضع (دولة ليبيا) عن السنوات من 2006م إلى 2024م حسب (مقياس برتلسمان للتحول) ومؤشراته ، كانت النتائج على النحو الآتي:
- مؤشر (الديمقراطية): تحصلت ليبيا على درجة (2) من (10) ليكون تصنيفها (الاستبداد الصارم) بسبب وجودها في أدنى مستوى للديمقراطية
- مؤشر (اقتصاد السوق): تحصلت ليبيا على درجة (2.3) من (10) لتكون (سوق بدائي) بسبب تحصلها على درجة ضعيفة جدا
- مؤشر (الإدارة السياسية): تحصلت ليبيا على درجة (2.4) من (10) وهذه الدرجة تجعل مرتبة الإدارة السياسية تصنف كونها (إدارة فاشلة).
لم يقبل بعض من (علماء ومحللي الشؤون السياسية والاقتصادية) بهذه (النتائج المُخجلة لبعض الدول) ووجهوا الكثير من (الانتقادات الجادة) لما سبق من مقاييس ، بل إن بعض من تلك الانتقادات تحولت إلى (اتهامات صريحة) وهو ما يدفعنا لعرضها أمام (السادة القراء) لأهميتها ومن هذه الانتقادات:
- أن الدول التي تم تصنيفها فاشلة أو على درجة عالية من الخطورة مثل (الصومال، اليمن، وليبيا وغيرها) لم تكن فاشلة كما هي الآن إلا بعد أن (تدخلت الدول الخارجية) في الشؤون الداخلية للدول المُصنفة هشة وعطلت بها مشاريع الاستقرار والسلام (مثل: إعتماد الدستور ، إجراء الانتخابات النزيهة والشفافة ، وبدء المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية) واستبدلتها بهيئات ضعيفة مثل (الأمم المتحدة) التي قدمت حلولاً باهتة ، أطالت عمر الأزمة وزادت عمقتها.
لذلك لم نستغرب ما صدر من تصريحات (غير سياسية) أطلقها: جي. دي. فانس (نائب الرئيس الأمريكي: ترامب) حين قال بمناسبة (الهجوم العسكري لدولته وإسرائيل على دولة إيران) نهاية فبراير 2026م: إن (الولايات المتحدة الأمريكية) لا تسعى لتحويل (إيران) إلى دولة فاشلة مثلما حدث في (ليبيا). - هذه المقاييس أغفلت الظروف التي أدت للفشل! فلم يكن هناك مؤشر بهذه المقاييس عن مسببات الفشل مثل: المرحلة الاستعمارية التي دمرت مؤسسات الدولة ، وخير دليل ما حدث في (دولة العراق).
ولعل هذا ما دفع أستاذ علم الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكنز (ستيف هانكي) أن يتسأل: ما التكاليف التي تكبدتها (الولايات المتحدة الأمريكية) لإنشاء دولة فاشلة (بالعراق)؟ - تمت ملاحظة أن التصنيفات جميعها (أمريكية) للدول الفاشلة وأنها ضمت مجموعة الدول التي بها ثروات مهمة مثل: النفط ، الغاز ، المعادن النفيسة والأخرى المهمة في الصناعات الدقيقة ، كما أنها ضمت دولاً تتميز بمواقعها الجغرافية المهمة مثل الممرات البحرية الاستراتيجية ، وهذا يُبين أن هذه الدول لديها مقدرات للتطور وليس للفشل ، لو لم تقع فريسة الاستعمار الحديث لها.
- تحاول التصنيفات التي أعدتها مؤسسات أمريكية (على الرغم من استقلال هذه المؤسسات) اثبات أن هناك (دول لا تستطيع حُكم نفسها) وهذا بدوره يصبح من مبررات استعمارها ، فلم يكن خافياً أنه بعد أحداث 11 سبتمبر للعام 2001م زادت حدة الكلام عن مصطلح (الدول الفاشلة) وظهر مبدأ أمريكي ينص على: وجوب مقاتلة الدول الفاشلة بدل تنميتها.
للعلم يشير تقرير آخر صادر عن (صندوق لأجل السلام ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – O. E. C. D.): أن ملياري إنسان (25% من سكان العالم) يعيشون في بيئات هشة شديدة الخطورة وبدول فاشلة ، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستقاتل القوى الغربية وعلى رأسها (الولايات المتحدة الأمريكية) كل هذه البيئات بدل إصلاحها؟ - لفت الانتباه أن هذه التصنيفات بمؤشراتها ومعاييرها ، ما هي إلا (تجريدات رقمية) وتخلو تماماً من أي معرفة بحالات التطور التاريخية التي مرت بها تلك الدول.
من أهم من انتقدوا هذه التصنيفات (الكاتب السوري: غازي دحمان) في مقالته بعنوان (الدولة الفاشلة: مشروع استعماري أبيض) نشره العام 2010م والذي كشف فيه كل الانتقادات السابقة كما وضح أنه: حين يتم تصنيف دولة ما (بالفاشلة) فإنه في الحقيقة يجعلها موضع (للإستهداف العسكري) باعتبارها تمثل خطراً على الأمن والسلام العالميين.
هناك نقطة مهمة جديرة بالذكر نضعها أمام القارئ الكريم:
من المسلمات أنه حين يتم تصنيف الدولة كونها (دولة منهارة) فذلك يعني أنها في (آخر المراحل) التي تقودها لمرحلة (الدولة الفاشلة) ولذلك كان من مبررات انفجار (ثورات الربيع العربي) التي اندلعت مطلع العقد الثاني من القرن (21) في كل من: تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن وغيرها، أن أنظمة الحكم الشمولية بها كانت قد حولت دولها إلى (دول منهارة) وهو ما سيؤدي بكل دولة منها أن تكون (دولة فاشلة) لذلك كان الهدف الأسمى (لثورات الربيع العربي) هو تطوير شعوبها وتنمية الحياة وليس الهدم والسقوط في هوة أعمق.
ليس ثمة شك أن (ثورات الربيع العربي) عجزت عن بناء نظام جديد يُخرجها مما كانت فيه دولها من انهيار يُهددها بالفشل وذلك بسبب عدة متغيرات متعددة داخلية وخارجية ، لكن أهمها كان ذلك (الإرث الفاسد والعميق) الذي تورطت في ازاحته ثورات الربيع العربي وعجزت عن ذلك أو مازالت تحاول ازاحته بصبر شعوبها
يهمنا أن يعرف السادة القراء.. أن (الدول الأكثر استقراراً – والأقل هشاشة للعام 2025م) والتي ستبقى تحتل الصدارة ربما بنتائج (تصنيف العام 2026م) هي في أغلبها (الدول الاسكندنافية ودول غرب أوروبا) وذلك بفضل قوة مؤسساتها وتوزيعها العادل للثروة ، وهذه الدول وفق التصنيف هي: النرويج، فنلندا، أيسلندا، نيوزيلندا، الدنمارك، سويسرا، ايرلندا، كندا، لوكسمبورغ، هولندا
يتضح من هذا التصنيف للدول الأكثر أمناً والأكثر وتطوراً أن الدول العظمى الكبيرة (التي أسست السياسة الحديثة ورسمت الاقتصاد العالمي وتنادي بحقوق الإنسان) أمثال: المملكة المتحدة، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، إيطاليا، الصين، روسيا وغيرها، لم تكن ضمن قائمة الدول الأكثر استقراراً وعدلاً.
أخيراً.. الفيلسوف والمفكر والناقد السياسي المعاصر (نعوم تشومسكي) كان من أهم مؤلفاته كتاب صدر العام 2007م بعنوان (الدولة الفاشلة – Failed State) وبدأه (تشومسكي) بتساؤل مُلفت للإنتباه: إذا كان (العالم العربي) مازال متخلفاً قبلياً وغير مستقر ، فهل يصح أن نقول: أن (الولايات المتحدة الأمريكية) دولة فاشلة؟
يُثبت (تشومسكي) في كتابه: أن (الولايات المتحدة الأمريكية) أصبحت (دولة فاشلة) لأنها باتت تشكل خطراً على شعبها وعلى بقية العالم فهي تهدد الأمن والسلام العالميين كما أن هناك (هوة كبيرة) بين الرأي العام الأمريكي وبين السياسات التي تتبعها الإدارة العليا الأمريكية.
ما الأسباب التي حولت دولة بمقدرات ليبيا اليوم كي يتم تصنيفها (دولة ذات مستوى إنذار مرتفع بالخطر) بمعنى آخر ما سبب (انهيار الدولة في ليبيا) حتى تكاد تكون (دولة فاشلة)؟
يهمنا أن يعلم القارئ الكريم أن دولة ليبيا استقلت نهاية العام 1951م ووفق بنود دستورها الذي كتبه (الأباء المؤسسين) أصبح نظام حكمها السياسي ملكياً وراثياً ، إلا أن اقتصادها كان فقيراً بدون أية موارد حتى مطلع ستينيات القرن (20) ليتغير وضعها الاقتصادي نحو الازدهار بعد اكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة بأراضيها وبحارها الإقليمية.
تقارير (الأمم المتحدة) آنذاك ، التي تُبين (معدلات النمو للدول النامية للفترة: 1960 – 1967م) تضع (دولة ليبيا) في (الترتيب الأول) متفوقة بنسب كبيرة على (إسرائيل) التي كانت تشغل الترتيب الثاني ، في حين كانت (دولة أسبانيا) في الترتيب الخامس و(دولة تركيا) في الترتيب التاسع عشر. أما انهيار مفهوم الدولة في ليبيا (وهو حالة يستحق دراستها سواء بالعلوم السياسية أم بغيرها) والذي بدأت ملامحه منذ (نهاية الستينيات بالقرن العشرين) وإلى اليوم ، فإن أسبابه تعود إلى نوعين من الفوضى: الأول: فوضى داخلية والثاني: فوضى دولية ، ويمكن باختصار توضيح كلا النوعين على النحو الآتي:
أولاً: الفوضى الداخلية (ليبية – ليبية) وهي أيضاً تنقسم إلى فترتين:
أ- فترة حكم الانقلاب العسكري (1969 – 2011م)
والتي تُعرف بمرحلة (إرث فوضى العقيد: معمر القذافي) حيث أمتدت سنوات حكمه العسكري (42) سنة ، لم يقم بتكوين دولة على مؤسسات فاعلة ، بل فكك ما كان قائماً من مؤسسات مهمة زمن المملكة الليبية (1951 – 1969م) واستطاع وفق منهج الطغيان العسكري ، إلغاء كافة القوانين المعمول بها كما جاء في (خطابه بمدينة زوارة 1973م) ليملأ ذلك الفراغ بهرطقات حكم الفرد المستبد ، وخلال مدة (حكمه الانقلابي) نستطيع فهم (منهجية التدمير) التي اتبعها لتفريغ مؤسسات الدولة وذلك وفق الآتي:
- فكــــك الإدارة ، لذا لم يعد في ليبيا رجال تخطيط إداري أكفاء ، بل أتباع مُطيعين ، قتلة ومُفسدين!
- فكك الجامعات ، لذلك لم يكن في ليبيا نُخب واعية ، بل نصب لهم المشانق داخل ساحات الجامعات!
- فكك الاحــزاب ، لذا افتقرت ليبيا للشخصيات الوطنية ، بعدما قتل القادة وأخفى البقية بالمعتقلات!
- فكك الجــــيش ومنها لم يعد في ليبيا حماة للدستور والوطن ، بل كتائب جهوية وقبلية لحمايته!
- فكك الاقتصــاد فاختفت من ليبيا فئة رجال الأعمال وكثر لصوص المال فانهار اقتصاد الدولة!
- فكك القضــــاء فعرقل عمل رجال العدل الشرفاء واستبدلهم (بمحاكم ثورية) أحكامها المشانق!
- فكك الاعــــلام لذا لم يكن في ليبيا أدباء وصحفيين بل أقلام مأجورة لتخاريف سلطة الطغيان!
- فكك التعــــــليم وتم التضييق على جهود المعلمين الأكفاء بوضعه لمناهج مؤدلجة ومشوهة!
- فكك المجتمع المدني وأضعف النقابات والاتحادات ومنحها (للجانه الثورية) الفاسدة لإدارتها!
- فكك الحكم لذلك لم تكن بليبيا سلطات بعدما وزع الدولة على أبنائه لتثبيت استبداده الأسري!
وهكذا ظل (القذافي) لمدة تزيد عن (4) عقود يرأس ليبيا (كحاكم عسكري) بسياساته الخاطئة والمميتة حتى باتت ليبيا (دولة منهارة) وبقى هو (قائد بلا مشروع) ومن حوله دوائر ضيقة من أقاربه والمنتفعين ، هذا الإرث الطويل من التفكيك الممنهج والمُرتب بقسوة طغيان الانقلابيين العسكر ، كشف أن ليبيا عند سقوط ذلك النظام الشمولي كانت دولة بلا سلطات واضحة وبلا مؤسسات حقيقية ونشأ عن هذا (الفراغ شبه الكامل) حالة (انهيار كبيرة للدولة) مما جعل مهمة بناء دولة حديثة مستقرة وآمنة عملية مازالت متعثرة.
ب_ فترة ثورة الربيع الليبي (2011 – ….)
ويُشار إليها بمرحلة (فوضى تشتت السلطة بين: سطوة المليشيات ، فشل الجماعات ، وإنقلاب العسكر). - ظهور الفوضى بعد العام 2011م لم يكن انحرافاً عن مسار متوقع ، بل كان نتيجة متوقعة لطبيعة نظام (القذافي) السابق والذي كان قد صمم النظام (الشمولي) كي ينهار النظام من بعده إذا غاب.
- ثورة الليبيين التي اندلعت بتاريخ 17 فبراير 2011م لم تؤدِ إلى انتقال السلطة ، بل إلى تحطيمها وبعثرتها ونتج عن ذلك فراغ آخر سرعان ما إمتلأ في البدء (بالمليشيات الجهوية المسلحة).
- بسبب عدم وجود هياكل إدارية يمكن أن تنقذ البلاد ، تمكنت تلك المليشيات من اثبات سطوتها بكل مدينة ومنطقة حتى باتت بعض المليشيات مسؤولة عن تلك الأماكن وكأنها دولة داخل دولة لها مدينتها وتتحكم بالموارد الوطنية داخل مناطق نفوذها.
- لم يؤدِ هذا النموذج (المتخلف) إلا لتنامي الفكر القبلي والجهوي (المقيت) ونتج عنه صراعات مسلحة دامية يعود بعضها لنعرات تاريخية ظن البعض أنها أصبحت في طي النسيان منذ زمن.
- خوف بعض من (السلطات الانتقالية) من سطوة المليشيات بالإضافة إلى وفرة عائدات النفط ، سمح لتلك الجماعات المسلحة (المليشيات) أن تحوز أموالاً طائلة لتمويل عملياتها العسكرية وهكذا بدل التنمية التي كان ينتظرها الشعب ، انفجرت سلسلة من الحروب الأهلية.
- هذه الفوضى المتمثلة في: استمرار ضعف مؤسسات الدولة السيادية بعد الثورة ، وأدت إلى انتشار السلاح ، سطوة المليشيات ، بروز الجماعات الدينية المتشددة والوسطية ، وكثرة جرائم الحروب الأهلية ، انتهزها (انقلابي عسكري، معروف بكونه أسيراً بعد حرب قادها بأوامر من العقيد: معمر القذافي ضد دولة تشاد وارتكب فيها جرائم ضد الإنسانية هو العقيد المتقاعد: خليفة حفتر) ليجاهر بقيامه بأكثر من انقلاب عسكري سنة 2014م أول هذه الانقلابات كان من (خارج ليبيا) والثاني من (داخل ليبيا) وليعلن فيهما اسقاط الشرعية للسلطات (التشريعية والتنفيذية) التي كان الشعب قد انتخبها أواخر العام 2012م.
- تسبب الانقلاب العسكري بشرق ليبيا في الآتي: زيادة انقسام السلطات ، اتساع مساحة الحروب ، تحول الصراع إلى إقتتال جهوي ، ارتكبت فيه الكثير من الجرائم ، صُنفت كونها جرائم ضد الإنسانية.
- اتضح أن الانقلاب العسكري لسنة 2014م لم يكن لإنهاء الفوضى ، بل للسيطرة على الحكم في ليبيا وإعادة نظام الحكم العسكري المستبد والمتمثل في حكم الأبناء الضباط والقبيلة المسلحة.
- كان من أبرز مسببات الفوضى بعد انتصار الثورة ، أن أغلب الشعب اكتشف أن الجماعات الإسلامية (لم تكن تملك مشروع) لبناء دولة حديثة بثوابت الإسلام وكانت الفاجعة أن جماعات (التيار المتشدد) قد اندمج أغلبها في جماعات إرهابية مثل (تنظيم القاعدة لدول المغرب الإسلامي أو تنظيم الدولة “داعش”) وهذه الجماعات كانت مُخترقة ويتم مطاردتها عالمياً ، والأسوأ أنه لم يكن لها أي فكر أو مشروع سوى إقامة الحدود مثل: قطع يد السارق أو رجم الزاني وغيرها ، أما جماعات (التيار الوسطي) فكان مشروعها هو سرقة قيادة الثورة لصالح جماعاتهم وهم يعلمون أنهم لم يكونوا القادة الحقيقيين للثورة وأيضاً لم يعتذروا للشعب حينما كانوا يؤيدون بقاء حكم (الانقلابي: معمر القذافي) بعدما اتفقوا وباركوا فكرة توريث الطغيان لأبنه (سيف القذافي) من بعده ، الأسوأ أنهم اليوم يُكررون نفس الخطيئة عندما باتوا يُباركون الانقلاب الثاني (للعسكري: خليفة حفتر) ويتقربون إليه في مصالحة مُذلة على الرغم من علمهم بارتكابه لجرائم ضد الإنسانية وأصبحوا يباركون تنصيب أولاده (المتورطين في القتل والإخفاء والنهب) ليكونوا حُكام ليبيا الجدد!
ثانياً: الفوضى الخارجية (الإقليمية – الدولية): - الانهيار الداخلي للدولة الليبية الذي نشهده اليوم لم يكن لولا التدخلات الخارجية وليس ثمة شك أن التدخل العسكري (لمنظمة حلف شمال الأطلسي: الناتو – NATO) بناء على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1973 كان قد افتقد إلى رؤية أو خطة لما بعد الصراع.
- بعد انتهاء الحرب الثورية الليبية بقتل (العقيد: القذافي).. وسقوط نظام حكمه الشمولي في نهاية العام 2011م وخروج المجتمع الدولي ، أصبحت ليبيا بلداً بلا مؤسسات بعدما كانت منهارة وأيضاً كان أغلب الليبيين منقسمين اجتماعيا بين: مجموعات الثوار (المنتصرين) وآخرين يمثلون منظومة حكم القذافي (المهزومين) زاد من سوء الأوضاع انتشار أكثر من (20) مليون قطعة سلاح متنوعة بين الليبيين (حسب التقديرات الدولية).
- استغلت (القوى السياسية الخارجية) خروج (الناتو) لتفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية أخرى بعد ذلك ، كما انتهزت أيضاً الانقسامات الليبية الداخلية (بعد انتصار الثورة) لتعمل على تعميقها ولتغذي الحروب الأهلية والانقلابات: بالمال، السلاح، والغطاء السياسي لوكلائها المحليين.
- تورطت بعض الدول العربية (المسلمة) في الأزمة الليبية منذ منتصف العام 2014م وبدل أن تكون (جزء من الحل) برسم خارطة طريق للمصالحة بين الليبيين ، كانت قد أصبحت (جزء فاعل في الحرب) لدرجة أن بعض من هذه الدول (الشقيقة) مثل: الامارات، السعودية، مصر، الأردن، السودان، زادت الوضع تعقيداً بمشاركتهم في قصف الليبيين الأبرياء، مما نتج عنه (انتهاكات ضد الإنسانية) بالمدنيين في كل ليبيا.
- حاولت (هيئة الأمم المتحدة) وعبر (بعثتها الأممية في ليبيا) وضع حلول للأزمة الليبية ، لكن تلك المحاولات كانت ضعيفة ومرتبكة ، بل وكانت كارثية أحياناً ومنها عندما (أكدت الصحافة البريطانية (صحيفة الغارديان) أن المبعوث الأممي في ليبيا (برناردينو ليون) تلاحقه شبهة فساد مالي مع (دولة الامارات العربية) بوصفها دولة نزاع ومنحازة داخل ليبيا) نوفمبر العام 2015م وساهم (ضعف قادة غرب ليبيا السياسيين) في منح (الانفصاليين الليبين بشرق البلاد) الفرصة كي يخرقوا الأحكام الصادرة من (المحكمة العليا الليبية) وهكذا (عبر هذه المفاسد وغيرها) بدأ الانقسام السياسي يكون واضحاً وتشكلت إثر ذلك (الحكومات الموازية) مما تسبب في انقسام المؤسسات السيادية الليبية فكانت النتائج كارثية على الاقتصاد الليبي (بتقارير مجلس الأمن الفساد المالي والإداري).
- وزاد من تعقيد الوضع أن (الرئيس الأمريكي: دونالد ترامب وعبر مكالمة هاتفية (أيد) قائد الانقلاب العسكري: خليفة حفتر) كي يشن الانقلابيون العسكر (حرباً مدمرة) على غرب ليبيا في أبريل 2019م وساعده في ذلك (قوات لدول عربية) ومعها (قوات الفاجنر الروسية) لأجل الإستيلاء على العاصمة الليبية (طرابلس) لإسقاط الشرعية بها وعودة (حكم فاشية العسكر) من جديد لليبيا.
- كان (الانقلابيون العسكر) قد ارتكبوا أكثر من مذبحة في (شرق ليبيا بمدينتي: بنغازي ودرنة وبجنوب ليبيا في مدينة: مرزق وفي غرب ليبيا بمدينة: ترهونة وفي العاصمة: طرابلس الغرب) بحجة محاربة الإرهاب ، بينما كانت حقيقتها لأجل السيطرة على السلطة واحتلال منابع النفط وموانئه ، وكذلك الهيمنة على أماكن استخراج معدن (الذهب) هذا بالإضافة إلى السيطرة على الحدود الجنوبية لليبيا مع الدول الأفريقية مما أباح للعسكر الانقلابيين ارتكاب (أنشطة غير إنسانية) مثل الاتجار بالبشر وأيضاً تهريب السلاح للمتمردين بدول مجاورة منها دولة السودان.
- أدى ظهور الجماعة الإرهابية (تنظيم الدولة: داعش ، ولاية طرابلس) بعد احتلالها وسط شمال ليبيا إلى ارتكاب التنظيم الارهابي لعدة (تفجيرات انتحارية) بالعاصمة الليبية طرابلس ، طالت عدة مؤسسات سيادية مثل وزارة الخارجية ومقر المفوضية العليا للانتخابات الوطنية وكذلك المؤسسة الوطنية للنفط ، وأودت بحياة عدد من الأبرياء ، وكان من أسوأ تلك الأعمال هجومهم على (فندق كورونثيا – مقر إقامة رئيس الوزراء الليبي آنذاك: عمر الحاسي) بالعاصمة طرابلس بتاريخ يوم: 27 يناير 2015م في محاولة (لإغتياله) وقد أدى الهجوم لمقتل عدد (12) من الأبرياء الليبيين والأجانب المقيمين بالفندق ، وعُرفت هذه العملية لدى الارهابيين باسم (غزوة أبو أنس الليبي).
- (مجموعات الثوار بغرب ليبيا) بقيادة (مدينة: مصراتة) وحدوا جهودهم وقادوا حرباً خاطفة أطلقوا عيها (حرب البنيان المرصوص) بشهر مايو 2016م ، استطاعوا بها تحرير ليبيا من (تنظيم الدولة: داعش) والقضاء عليه واكتشفوا أن هذا التنظيم الارهابي يضم عناصر من أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وأفريقيا وعدد من شباب وشابات الكثير من الدول العربية ، واتضح أن الجموع البشرية التابعة لهذا التنظيم المتوحش التي قدمت من بلاد العراق والشام ، لم تقم بأي عمل ضد الكيان الصهيوني الغاصب أثناء مرورها به ، وهذه علامة تعجب كبيرة تكشف عورة فكر الجماعات المتشددة المعاصرة التي تدعي أنها ضد الصهيونية ، لقد تم اكتشاف أن هذه الجماعات المتشددة وعلى رأسها (داعش) لم تواجه في أي مكان بالعالم ، بل ولم تقم بتنفيذ بأي من عملياتهم الاستشهادية (كما يزعمون) ضد الكيان الصهيوني الذي يستبيح المحرمات بفلسطين المحتلة.
- للعلم لم يشارك (الانقلابيون العسكر) في الحرب على الجماعات الإرهابية بمنطقة وسط ليبيا وحول مدينة: سرت ، بل العكس هو ما حدث ، قد مهد الانقلابيون العسكر (الخروج الآمن) لمجموعات من تنظيم (داعش) من (شرق ليبيا) وتحديداً من مدينة: درنة كي تساند هذه المجموعات بقية (التنظيم الإرهابي) في مواجهتهم للثوار الليبيين بمحيط (مدينة سرت).
- استغلت (البعثة الأممية في ليبيا) فرصة الإنقسام السياسي بين السلطات في ليبيا والحروب السياسية والدينية بين الليبيين ومن يتواجد على أرضهم من قوات أجنبية ومرتزقة ، لتبدأ (البعثة الأممية) في لعب دور غريب آخر وهو (تشكيل الحكومات بمعرفتها ووفق اختياراتها غير الديمقراطية) ونتج عن ذلك (فقدان الليبيين للسيادة الوطنية في اختيار قادتهم) كشف ذلك أن (البعثة الأممية) قد تخلت عن دورها في مساعدة الليبيين كي يمارسوا الديمقراطية وحق انتخاب نوابهم وقادتهم كما جاء (بالقرار الأممي: 2040 للعام 2012م) الذي كان القرار الأممي قد حدد مهام البعثة الأممية في ليبيا.
لقد تحولت الأراضي الليبية إلى ساحة للصراع السياسي والعسكري ، وتنوعت المخالفات المحلية والدولية وتطورت من (حروب أهلية) على السلطة والموارد إلى (حروب بالوكالة الدولية المتعددة) وهكذا لم يعد أطراف الصراع ليبيين فقط ممن يرتكبون الانتهاكات في ليبيا ، بل ظهرت مصالح دولية وصراعات عالمية لقوى عظمى فوق الأراضي الليبية مثل (الصراع الأمريكي – الروسي) الذي كان بعد فشل وصول الانقلابيين للسلطة وإثر هزيمتهم في العاصمة طرابلس ومحيطها ، وللأسف لا يزال هذا الصراع قائماً من أجل (الهيمنة الدولية) ليس فقط على (دولة ليبيا) فحسب ، بل على (القارة الأفريقية) بكاملها.
ليس ثمة شك أن ما يحدث في ليبيا من قتال بين (الفصائل المحلية) وبإدارة خفية من (القوى الدولية) ما هو إلا تجسيد مؤلم ومُخجل لتلك الفكرة الخبيثة التي صاغها المفكر السياسي ذو الأصول اليهودية والمعتنق للأفكار الصهيونية (إدوارد ن. لوتواك) في مقالته الشهيرة (امنحوا الحرب فرصة – Give War A Chance) التي كان قد نشرها العام 1999م والتي جاء ببعض فقراتها: اتركوا الأطراف المتحاربة تقاتل بعضها حتى ينتصر طرف أو يُنهك الطرفان تماماً وحينها سنفرض شروطنا ، لذا لا تُوقفوا اطلاق النار ، بل اتركوا الحرب لتصل إلى منتهاها لأنها ستخلق ميزاناً جديد وواقعاً مختلفاً.
وأذكر أن أستاذ العلوم السياسية (د. محمد المختار الشنقيطي) كان قد كشف عن ما قاله (إدوارد ن. لوتواك) زمن (الحرب الثورية بدولة سوريا) في مقال آخر بمجلة (The New York Times) بعدما قدم نصيحته (للولايات المتحدة الأمريكية) قائلاً: سلحوا الثوار لكن لا تسمحوا لهم بالإنتصار! ، افسحوا (لبشار الأسد) لكن لا تسمحوا له بالسيطرة على كامل الجغرافية السورية
وكم هو مؤسف في ليبيا اليوم ، أن جموع كثيرة من أبنائها المتحاربين كانوا ضحايا لمثل هذه المؤامرات التي صنعتها مصالح الدول الكبرى ودون أن يكون هناك أي حساب لما سيتكبده الشعب الليبي من قتل ودمار وفوضى ، هذا الشعب الطامح للسلام والمتعطش التنمية ويسعى لتحقيق حلمه بممارسة الديمقراطية ، هذه الديمقراطية التي بدأت (تتآكل أطرافها) لدى القوى الغربية الكبرى ، تلك القوى التي تراجع نفوذها أمام صعود قوى عالمية جديدة.
(فترة وجودنا على رأس السلطة التنفيذية: نهاية العام 2014 ومطلع العام 2015م).. كانت لنا آنذاك عدة محاولات للإتصال بشخصيات مهمة في العالم وذلك للإستفادة من (جهودهم الحكيمة) في علاج ما تتعرض له الدول من انهيار بسبب ضعفها الداخلي وأيضاً مما تكابده من المؤمرات الخارجية بعدما تتحالف قوى دولية وإقليمية في زعزعة الاستقرار السياسي والسلام الأهلي بها ، كان بعض هذه الشخصيات من (دول بأوروبا) وآخرين من (دول بآسيا) ونذكر منهم (الرئيس الأفغاني الأسبق: محمد أشرف غاني) بوصفه خبيراً في البنك الدولي وله أبحاثه المهمة عن اصلاح المؤسسات وتنميتها ، كما أنه شارك (الباحثة البريطانية: كلير لوكهارت) التي عُرفت بكتاباتها عن تطوير عمل الحكومات (الحوكمة) وأيضاً إعادة بناء الدول الهشة ، لقد تشاركا معاً في تأليف كتاب بعنوان: (إصلاح الدول الفاشلة – Fixing Failed States) نُشر العام 2008م ومما أثاره الكاتبان بكتابهما الهام ، كانت هذه الفقرة التي نجدها عميقة في الكشف عن أسباب انهيار الدولة الليبية بشكل دقيق كتبا الباحثان:
هناك (عائقان) ضد خروج الدولة من (مرحلة الإنهيار) أو حتى إذا وصلت (مرحلة الفشل) وهما: المليشيات المسلحة: سواء أكانت (عسكرية انقلابية) أم كانت (جماعات جهوية أو دينية) ، و التدخلات (الإقليمية والدولية): الداعمة للحروب الأهلية بالوكالة لأجل مصالحهما الاستراتيجية. فكلاهما يسعى لإمتلاك الدولة وإفشال بنائها عندما يُنصب عليها عبر برامجه القتلة واللصوص.
وكم كان مؤسفا أنني غادرت المشهد السياسي (كرئيس للوزراء) قبل أن نتمكن من التواصل مع تلك العقول المهمة والتي كنا نأمل أن تقدم لنا خبرتها وتجربتها وعلمها لأجل القفز فوق (هوة التخلف السياسي) التي أقامها طغيان (الانقلابيين العسكر) ومن بعدهم فوضى (الثوار المزيفين) وبرعاية خبيثة من دول الجوار العربي وفوق هؤلاء جميعاً كانت (براغماتية القوى الدولية).
@ يبدو أن (الولايات المتحدة الأمريكية) قد قررت أخيراً وضع (القضية الليبية) في دائرة اهتماماتها بشكل مباشر وهذا يظهر فيما أطلق عليه (مبادرة بولس للإستقرار السياسي في ليبيا) ، فكيف يمكن فهم هذه المبادرة وفق السياسة الأمريكية الخارجية المعاصرة وعلاقتها مع دولة ليبيا؟
من باب العلم ببدايات الدبلوماسية الليبية الحديثة ، يهمنا أن نُلفت عناية السادة القراء الأعزاء إلى أن العلاقات الأمريكية – الليبية كانت قد بدأت – كما هو مؤرخ (بأرشيف الدولتين) – بتاريخ: 17 فبراير للعام 1786م وبالتالي فإن (عُمر العلاقات بين الدولتين) وصل اليوم إلى (240 سنة).
فقد كان (أول لقاء) بين ممثلي الدولتين: الليبية والأمريكية في العاصمة البريطانية (لندن) ، حيث اجتمع إثنان من (الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية) وهما: (السيد: جون آدمز) وكان وقتها يشغل (سفيراً) لبلاده في بريطانيا ، مستقبلاً سيصبح (الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية) وأيضاً كان بصحبته (السيد: توماس جيفرسون) وكان وقتها يشغل (سفيراً) لبلاده في فرنسا ، وسيصبح هو الآخر مستقبلاً (الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية) ، كانا اجتماعهما مع الجانب الليبي والذي يمثله حينها (الدبلوماسي والاقتصادي: عبدالرحمن آغا البديري) المبعوث الطرابلسي (الليبي) إلى بلاط سانت جيمس ببريطانيا ، ودار اللقاء حول التفاوض بشأن معاهدة (تحفظ) سفن الشحن الأمريكية أثناء عبورها البحر المتوسط من (غارات) البحرية التابعة لدول المغرب الإسلامي ، ولقد انتهى الحوار بأن قدم (المبعوث الطرابلسي الدبلوماسي: عبدالرحمن آغا) إنذاراً صارماً لممثلي (الولايات المتحدة الأمريكية) نصه:
بدون دفع رسوم حماية (أتاوة) كبيرة ، ستعتبر “طرابلس” نفسها في حالة حرب نشطة مع “الولايات المتحدة الأمريكية”. منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا الحاضر لم تنقطع العلاقات بين الدولتين على الرغم من توترها في بعض الفترات ، اليوم في العام 2026م يظهر بالسياسة الأمريكية (السيد: مسعد بولس) بوصفه (كبير مستشاري الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط) ليُقدم (مبادرة أمريكية) عرفها الجميع باسم (مبادرة بولس لأجل ليبيا). في الحقيقة كانت (مبادرة بولس) نموذجاً للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها مع قضايا العالم الثالث وهي ترتكز على ذلك المبدأ الذي نادى به (الرئيس الأمريكي الحالي: دونالد ترامب) وهو: أمريكا أولاً. وهذا المبدأ يحتاج لمنهجية واضحة كي يتم تحقيقه ، وهذه المنهجية تعتمد على محور واحد فقط هو: الصفقات التجارية بدل الاغاثة والمساعدات. يتضح أن إدارة (الرئيس: ترامب) تتبنى نظام إقامة المصالح في نطاق ضيق وتنفيذ الصفقات المباشرة بين أي دولة من دول العالم الثالث مع (الولايات المتحدة الأمريكية) في علاقة مزدوجة محددة ، هذا يعني أن إدارة (الرئيس: ترامب) تتجاوز وجود أي من الأطراف الدولية الأخرى كشريك في أي صفقة. في (الأزمة الليبية) تحدث (المستشار: مسعد بولس) عن (رؤية أمريكية) لحل الأزمة بليبيا وفق تحرك أمريكي (مباشر) وأن هذه الرؤية الأمريكية (تُلغي) أي جهود متعددة الأطراف حتى ولو كانت لحلفاء أوروبيين ، تم التواصل بين (المستشار: مسعد بولس) و(الفرقاء الليبيين) والممثلين في:
الحل يكون (بعقد صفقة) مع من يملكون القوة على الأرض: (ادبيبه وحفتر) لأنهم هم من يُسيطرون على الموارد والمال والسلاح!
هكذا نزع (المستشار: مسعد بولس) الشرعية عن المسار التقليدي لصالح تقاسم السلطة بين المعسكرين المهيمنين ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين اجتمع مع (جيل الأبناء لمن يسيطروا على شرق وغرب ليبيا) وذكر: أن (الولايات المتحدة الأمريكية) تعمل على تأسيس (مسار تفاوضي) يعتمد على (الجيل الثاني) من الأسر الحاكمة. وقد أكد (الرئيس الأمريكي ترامب): أن مصطلح (القادة الجدد) لا يعني مطلقاً وجوهاً من (خارج) المنظومة الحالية الحاكمة ، بل يعني (التثبيت الرسمي) لجيل الأبناء كواجهة جديدة لهيكل سلطة قديم ، هكذا اتضحت (ملامح المسار الأمريكي) النهائي للملف الليبي عبر (صفقة بولس) في النقاط الآتية: لا يهدف إلى (تفكيك) السلطة القائمة ، بل يهدف إلى (إعادة ترتيب) إدارتها ، تأمين مصالح (واشنطن) مع (الجيل القادم) من القادة. بهذا تضع (إدارة الرئيس الأمريكي ترامب) نموذجاً لتقاسم السلطة في ليبيا قائم على أساس عائلي وهذا بالطبع يتجاوز المسارات الديمقراطية التي يطمح إليها الليبيين والمتمثلة في اعتماد الدستور (المعطل) وإجراء الانتخابات (المؤجلة) ويحصر السلطة فقط في عائلتين يضمنان المصالح الأمريكية في ليبيا ، هذا النموذج الأمريكي (لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب) يفتقر إلى المثالية ويحصر استقرار ليبيا ومستقبل أجيالها على ما تجنيه مصالح الشركات الأمريكية.
يتضح مما سبق أن (صفقة بولس) تفضل (استقرار هش) تحت سيطرة قطبين على بناء دولة ديمقراطية في ليبيا وهو بلا شك مسار محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى ترسيخ (حكم ثنائي) غير خاضع للمساءلة ، يُلغي (التطلعات الديمقراطية) للشعب في ليبيا ، يُخضع المصالح الاقتصادية والسياسية الليبية لأجندات أمريكا.
مازلنا نذكر مقال الكاتب (جاك سوليفان) الذي كان بعنوان (العالم ما بعد ترامب – The World After Trump) كان قد نشره بمجلة (Foreign Affairs) حيث كتب مُحذراً فيه: الرئيس الأمريكي (ترامب) يمثل تهديداً حقيقياً لكل من الديمقراطية الأمريكية وللنظام الدولي حيث أن: سياسته الداخلية يمكن أن تجر (الديمقراطية الأمريكية) إلى أزمة دستورية ، سياسته الخارجية ستجر (النظام الدولي) إما إلى حرب تجارية مدمرة أو إلى حرب نووية شاملة.
النتيجة النهائية التي نأمل أن تحدث في ليبيا كما جاء بمنشورات إحدى مراكز الوعي في ليبيا (الشبكة الليبية للتعاون والتنسيق): لن يُعتمد في استقرار ليبيا وسلامة شعبها ووحدتها على (مخططات القوى الدولية) مثل (مبادرة بولس) بل سيُعتمد فيها على (قدرة الشعب الليبي) على البقاء يقظاً وعلى مطالبته بالشفافية في أي خارطة طريق ، وأيضاً في تأكيده لرؤيته الموحدة لوطن سيد ومُزدهر ، لأن المستقبل الآمن لليبيا لا يزال بيد الليبيين إذا ما قرروا أن يمسكوا بزمام المبادرة.
حكومة الوحدة الوطنية ويرأسها: م. عبدالحميد ادبيبه ومقرها بغرب ليبيا.
ما عُرف بالقيادة العامة للانقلاب العسكري يرأسها العسكري المتقاعد: خليفة حفتر بشرق ليبيا.
وذلك بقصد تحقيق الآتي:
تأمين مصالح اقتصادية ضخمة متمثلة في (عقود كبيرة) للشركات الأمريكية العملاقة.
ضمان استمرار تدفق النفط الليبي لتوفير الطاقة بديلاً عن دول أخرى (مُصدرة) تعاني الحروب.
مواجهة النفوذ الروسي المتنامي في ليبيا واخراجهم من ليبيا بشكل خاص ومن أفريقيا عامة.
يتضح أن (المستشار: مسعد بولس) قد عمل على تحقيق هدفين هما: الأول: مع حكومة م. عبد الحميد ادبيبه لتأمين المشاريع الاستثمارية الضخمة للشركات الأمريكية ، الثاني: مع قيادة الانقلاب للعسكري خليفة حفتر لتأمين مناطق النفط واخراج القوات الروسية من ليبيا.
اتضح أن (مبادرة بولس) ما هي إلا (صفقة أمريكية) تجاه الأزمة الليبية على النحو الآتي:
وضع الصفقات التجارية والمكاسب الملموسة لتظهر بشكل واضح ، سواء أكانت في المناقشات الثنائية أم في النصوص المكتوبة المنشورة.
تجاوز أي ذكر للاعتبارات الديمقراطية التي ينتظرها الليبيين ، سواء أكانت في اعتماد الدستور (المعطل) أم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية (المؤجلة).
بات بيناً أن (الولايات المتحدة الأمريكية) في ولاية الرئيس: ترامب (الثانية) تتعامل مع (ليبيا المقسمة): ليس (كمشكلة) يجب (حلها) بل (كفرصة) يراد (استغلالها)!
وهكذا تظهر حقيقة مبدأ (أمريكا أولاً) عبر محورها المتمثل في الصفقات والمصالح بدل المساعدات ، وهذا يعني أن (الولايات المتحدة الأمريكية) ترى أن: تحقيق الاستقرار السياسي في ليبيا لا يكون بنشر الديمقراطية بل عبر تحقيق الرخاء من خلال إبرام الصفقات. ليس ثمة شك أن (إدارة الرئيس الأمريكي: ترامب) لا يهمها الاستقرار بوجود دولة موحدة وديمقراطية في ليبيا بقدر ما يهمها بيئة – حتى ولو كانت مُقسمة – يتدفق منها النفط بشكل مستمر ويمكن للشركات الأمريكية العملاقة الاستثمار في هذه البيئة بأمان. يكشف الخطاب السياسي الدبلوماسي (للمستشار: مسعد بولس) عن كلمات مثل: (توحيد المؤسسات) و (إنهاء الانقسام) لكن في الواقع هناك استراتيجية مختلفة ، فالسياسة الأمريكية في ليبيا تُرتب لوضع (تقسيم وظيفي) بين الليبيين في الشرق والغرب حتى يخلقا معاً (تكاملاً اقتصادياً) مع (الولايات المتحدة الأمريكية). ليس ثمة شك أن الخطة الأمريكية أو ما يمكن تسميته (بصفقة بولس) تُظهر في دعوتها العلنية: تشكيل حكومة جديدة ، لكن في دعوتها السرية ، تدعو لتشكيل سلطة وفق الرؤية الأمريكية ، لذلك تعتمد (صفقة بولس) على جعل الفرقاء (ادبيبه وحفتر) مرتبطان معاً (بواشنطن) من خلال مصالح اقتصادية وأمنية ، وهذا بالضبط يُعتبر (إدارة لليبيا المُقسمة) وهو ما ينتج عنه توفير (الولايات المتحدة الأمريكية) لحكومة ادبيبه وانقلاب حفتر مساراً مشتركاً للبقاء والازدهار ودون الحاجة للقتال.
هذا يجعل الكثيرين من الليبيين متفقين على حقيقة صادمة تم ظهورها أخيراً: أن (إدارة الرئيس الأمريكي: ترامب) تتفق مع الديكتاتورية الدموية بأي بلد بالعالم الثالث مادامت هذه الديكتاتورية تعمل فوق أراضيها لتنفيذ الصفقات الأمريكية ، ولا يهم هذه الإدارة (البراغماتية) أي نظام ديمقراطي بالعالم الثالث مادامت الديمقراطية ستقف حائلاً أمام مصالح (الولايات المتحدة الأمريكية) وتحديداً ضد صفقات الشركات الأمريكية العملاقة.
مازال صدى كلمات (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق: ريكس تيلرسون) يطرق أسماعنا حين صرح: إن تعزيز القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان خارج (الولايات المتحدة الأمريكية) كان في كثير من المرات عقبة أمام تعزيز المصالح الأمريكية. بات واضحاً أن (المستشار: مسعد بولس) يتحرك وفق استراتيجية مدروسة تقوم على (تجاهل الأجسام التشريعية القائمة في ليبيا) والمتمثلة في (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة) وهذا عكس (خريطة عمل البعثة الأممية العاملة في ليبيا) والتي ترتكز على (الأجسام الشرعية) وتمنحها دوراً محورياً في وضع الأساس الدستوري للانتخابات. (المستشار: مسعد بولس) يتجاهل الأجسام التشريعية ويُرسل رسالته إليها مُوضحاً أن:
المسار السياسي والتشريعي وصل لطريق مسدود بعد أكثر من 273 اجتماع ثنائي و13 لجنة مشتركة وطيلة مدة تجاوزت 11 سنة مضت!




