العلم قبل المال: درسٌ من بدر في بناء الدولة

أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

بمناسبة شهر رمضان المبارك، واستذكارًا لمعركة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان، تلك المعركة التي شكّلت منعطفًا تاريخيًا في مسيرة الدولة الإسلامية الناشئة، رأينا أن نسلّط الضوء على أحد أبعادها الحضارية المهمة، وهو موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر، وكيف تحوّل هذا الحدث العسكري إلى درس عظيم في بناء المجتمع بالعلم والمعرفة.

عندما نتأمل بدايات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، نجد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد قائد روحي أو عسكري، بل كان أيضًا صاحب رؤية حضارية عميقة في بناء المجتمع. ومن أبرز المواقف التي تكشف هذه الرؤية ما حدث بعد معركة بدر، أول مواجهة كبرى بين المسلمين وقريش في السنة الثانية للهجرة.
كانت الدولة الإسلامية آنذاك دولة فتية، ما زالت في طور التأسيس، وتعاني من قلة الموارد المالية وكثرة التحديات السياسية والعسكرية. وكان من الطبيعي، وفق أعراف العرب في ذلك الوقت، أن يُفدى الأسرى بالمال لتعزيز بيت المال ودعم الاقتصاد الناشئ للدولة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ قرارًا مختلفًا تمامًا، قرارًا يتجاوز الحسابات المادية الضيقة إلى أفق حضاري أوسع.
فقد جعل فداء بعض أسرى بدر من المتعلمين أن يقوم كل واحد منهم بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة. وهكذا تحوّل الأسرى من عبء على الدولة إلى معلمين يسهمون في بناء مجتمع جديد قائم على المعرفة.
كان عدد الأسرى نحو سبعين رجلًا، وبفضل هذا القرار التربوي الاستثنائي تعلّم مئات المسلمين القراءة والكتابة في فترة قصيرة نسبيًا. وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع حجر الأساس لنهضة معرفية مبكرة في مجتمع لم يكن يعرف من التعليم المنظم إلا القليل.
إن هذه الخطوة لم تكن مجرد حل مؤقت لمشكلة الأسرى، بل كانت قرارًا استراتيجيًا عميق الدلالة. فقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن بناء الإنسان المتعلم هو الطريق الحقيقي لبناء الدولة القوية. فالمعرفة تصنع الوعي، والوعي يصنع الحضارة.
ولذلك لم يكن التعليم في الإسلام ترفًا فكريًا أو نشاطًا هامشيًا، بل كان من صميم مشروع النهضة الإسلامية. ومن هنا نفهم لماذا نزل أول أمر في القرآن الكريم بكلمة: ﴿اقرأ﴾، في إشارة واضحة إلى أن المعرفة هي البوابة الأولى لبناء الإنسان والمجتمع.
كما تكشف السيرة النبوية عن انفتاح النبي صلى الله عليه وسلم على معارف الأمم الأخرى، مع الاحتفاظ بميزان النقد والتمييز. فقد كان يدرك أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن المعرفة يمكن أن تكون جسرًا للتواصل بين الحضارات إذا وُضعت في إطارها الصحيح وتحت هداية الوحي.
لقد أثبت التاريخ لاحقًا أن هذه الرؤية المبكرة أثمرت حضارة علمية كبرى، حين أصبحت المدن الإسلامية مراكز للعلم والترجمة والبحث، يقصدها طلاب المعرفة من مختلف الأمم.
وفي عالمنا المعاصر، حيث تتنافس الدول على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا، تبدو هذه التجربة النبوية أكثر إلهامًا من أي وقت مضى. فالأمم لا تقاس بثرواتها الطبيعية وحدها، بل بما تمتلكه من عقول متعلمة قادرة على الإبداع والابتكار.
ومن هنا يبقى درس بدر درسًا خالدًا في فلسفة بناء الدول: أن الاستثمار في الإنسان المتعلم هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة. فالعلم هو القوة الحقيقية التي تصنع المستقبل، وهو السلاح الذي لا يصدأ في مواجهة تحديات الزمن.
ولهذا فإن الأمة التي تجعل التعليم أولوياتها الكبرى، وتبني مؤسساتها على أساس المعرفة والبحث العلمي، هي الأمة التي تملك القدرة على كتابة تاريخها بيدها وصناعة مكانتها بين الأمم.
إنها رسالة واضحة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمة اقرأ:
أن طريق النهضة يبدأ من المدرسة والكتاب والعقل المتعلم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى