إلى أهل قطر الشقيقة ، أهل الوفاء والكرم ، أقدم باسمي وباسم كل محب للخير خالص التعازي والمواساة في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً ، إنا لله وإنا إليه راجعون ،
هذا المقال وقفة إنسانية اجتماعية بعيدة عن السياسة وشؤونها التي يعرف أهلها كيف يديرونها ، إنما هي تأمل في جوانب من سيرة رجل عظيم عاش بين أبناء شعبه ، وتجلت في محياه معاني الإنسانية والعاطفة النبيلة التي ترفع من شأن القائد وتجعله قريباً من قلوب الناس ،
كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، رحمه الله ، يحمل في تعامله مع أبناء شعبه سمات القائد الذي يرى في رعيته امتداداً لأسرته ، كان يستمع إليهم ، ويتابع أحوالهم ، ويحرص على أن يشعر كل مواطن بأنه محل اهتمام ورعاية ، هذه السمة ليست مجرد سلوك رسمي ، بل انعكاس لطبيعة إنسانية عميقة تجعل القيادة أقرب إلى الأبوّة الحانية منها إلى السلطة الجافة.
لكن أبرز ما يلفت النظر ويستوقف المتأمل في محيا هذا الرجل هو ذلك الحب العميق والعاطفة الجياشة التي كانت تربطه بشريكة حياته ، صاحبة السمو الشيخة الوقورة موزا بنت ناصر ، حفظها الله ، كان الشيخ حمد ، رحمه الله ، كثيراً ما يسأل عنها في المجالس والمناسبات واللقاءات العامة بتلك العبارة البسيطة التي تحمل في طياتها كل معاني الاشتياق والحنان: ( وين موزا ؟ ) ،
هذه العبارة التي قد تبدو عادية لو صدرت من أي أب أو زوج أو أخ في بيته ، لكن تكتسب بعداً استثنائياً حين تصدر من حاكم دولة ورجل دولة كبير ، إنها دليل على أن القلب الإنساني يبقى كما هو ، مهما علت المناصب واتسعت المسؤوليات ، كان يفتقدها حتى وهي قريبة منه ، ويسأل عنها كأن غيابها ينقص من بهجة المكان.
وقد غادر صاحبها اليوم إلى دار البقاء ، لكن بقيت “وين موزا ؟” خالدة ، يُسمع صداها في قلب السيدة الأولى الشيخة موزا ، حفظها الله ، وفي وجدان أبنائه من الشعب القطري الوفي ، كأنها عهد وفاء لا يموت ،
ومن أجمل المشاهد التي تُداولت وأثارت إعجاب الناس مشهد في عربة جولف صغيرة خلال زيارة لمنطقة مشيرب ، حيث كان الشيخ حمد جالساً في المقدمة ، والشيخة موزا خلفه ، سأل: ( وين موزا؟ ) ، فأجابت بصوت حانٍ وابتسامة: ( وراك وراك )، ومدت يدها لتربّت على كتفه برفق ، تلك اللمسة البسيطة ، وذلك الرد العفوي ، يكشفان عن علاقة مبنية على الود العميق والاحترام المتبادل والألفة التي لا تتأثر بمرور السنين أو ثقل المسؤوليات ،
هذه العاطفة الراقية لم تكن مجرد شأن خاص ، بل كانت لها انعكاسات إيجابية واضحة على المجتمع القطري ، حين يرى الناس قائدهم يعيش هذه المشاعر الإنسانية النبيلة مع شريكة حياته ، يتعلمون أن القوة الحقيقية في الرجل تكمن في قدرته على التعبير عن حبه واحترامه لزوجته ، وأن الأسرة المتماسكة هي أساس المجتمع القوي ، كانت هذه الصورة نموذجاً حياً للتماسك الأسري والود الذي يربط بين الزوجين ، وهو ما ينعكس على استقرار المجتمع وتماسكه ،
رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة ، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لوطنه ولأمته من عطاء ، ونسأل الله أن يحفظ قطر الشقيقة ، ويبارك في قيادتها ، ويمن عليها بالأمن والاستقرار والازدهار الدائم ، كما نثني على مواقف صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، أمير دولة قطر ، حفظه الله ، الوطنية النبيلة والعروبية الصادقة ، ونرى فيه خير جار وشريك في مشروع الاستقرار والإزدهار والتعاون الذي تسعى إليه المملكة العربية السعودية مع أشقائها في دول الخليج والأمة العربية.
إن ذكر مثل هذه اللمحات الإنسانية تبقى خالدة في القلوب ، تذكرنا بأن أعظم ما يتركه القائد ليس المنجزات المادية وحدها ، بل القيم الإنسانية التي يغرسها في نفوس شعبه ، رحمه الله ، وألهم أهله وذويه وشعبه الصبر والسلوان ، والله ولي التوفيق .
كاتب وصحفي سعودي




