مرايا القلوب ومطالع الأنوار البرزخية قراءة تأملية وتوثيقية موسعة في رسالة “تنوير الحلك” للحافظ السيوطي

الاستاذ الدكتور قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار اكاديمي

  الحمد لله الذي جلى بجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم ظلمات الشكوك، وأنار بفضله بساط العارفين والسالكين، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وهادي الأمة، وعلى آله وصحبه الأطهار الميامين، وبعد …

القناعات تتغير عبر الزمن مع زيادة المعرفة ومرونة التفكير حيث إن ثمة كتباً تمر على عقل الباحث مرور الكرام، وثمة أسفار علمية تقلب في النفس موازين النظر، وتفتح مغاليق الفكر على عوالم فسيحة من النور والجمال الروحي والشرعي. ومن هذه الأثافي المباركة والمباحث الشريفة، كتاب “تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك” للحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ). هذا السفر النَّفيس الذي حظيت به مؤخراً كهدية علمية غالية أعتز بها، أرسلها وتفضل بها عليّ الأخ الفاضل وسعادة الدكتور العزيز مهدي الرهاوي؛ من جامعة تكريت بالعراق فله مني من منبر هذا القلم أسمى عبارات الشكر، وعظيم الامتنان والتقدير على هذه النفحة المعرفية السَّنية، التي كانت بمثابة القبس الذي أضاء في النفس رغبة التمعن والتحقيق في هذا المبحث الروحي والدقيق، فجزاه الله عني وعن أهل العلم خير الجزاء.
يستهل الحافظ السيوطي رسالته بتقرير منظوم حاسم، يقطع فيه جهيزة كل خطيب، ويرد به على من أنكر هذه النفحات النورانية بغير علم، حيث يقول:
رُؤْيَةُ الأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الْمَمَاتِ … أَدْخَلُوهَا فِي حَيْزِ الْمُمْكِنَاتِ

قُلْ لِمَنْ قَالَ أَنَّهَا مُسْتَحِيلٌ … أُتْرُكِ الْخَوْضَ عَنْكَ فِي الْغَمَرَاتِ

أَنْتَ لَا تَعْرِفُ الْمُحَالَ وَلَا الْمُمْكِنَ … إِمَّا بِالْغَيْرِ أَوْ بِالذَّاتِ

وَاحْذَرَنْ أَنْ تَزِلَّ زَلَّةَ كُفْرٍ … وَتَوَقَّ مَوَاقِعَ الزَّلَّاتِ
إن هذا التأصيل الفقهي والحديثي الذي يذكره السيوطي يبين أن الرؤية تقع في حيز الممكنات عقلاً ونقلاً، وهي كرامة ومأنسة لبشرى المؤمن، دون أن يترتب عليها تشريع أحكام جديدة، فالشريعة قد كملت واستقرت بوفاته صلى الله عليه وسلم. ولم يكن السيوطي بدعاً في هذا القول؛ بل ساق في مصنفه شواهد معتمدة ونقولاً مستفيضة عن أكابر الأعلام؛ إذ ينقل عن إمام الحرمين الجويني في كتاب “الإرشاد”، والإمام أبو حامد الغزالي في كتاب “البسيط” أن بضعة عشر من الصحابة رضوان الله عليهم كلهم قد رأوا مثل ذلك، مستشهداً كذلك بما أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وما أورده ابن عساكر في تاريخه، ليؤكد أن المادة الحديثية والتاريخية متضافرة في إثبات اتصال عالم الشهادة بعالم الملكوت.
ويمضي السيوطي في تحقيقه الحديث ليربط بين الرؤية في المنام وتحققها في اليقظة، بالاستناد إلى العصمة النبوية الشريفة من تمثل الشيطان، مستعرضاً قوله صلى الله عليه وسلم: “ولا يتمثل الشيطان بي”. ويعمق الحافظ البحث بالاستدلال بشواهد القرب النبوي من الأمة من خلال ما ورد في صحيح مسلم
: “أنا فرطكم على الحوض”، ليبين أن حياة الأنبياء البرزخية حياة حقيقية كاملة، تعرض فيها أعمال العباد، ويكونون فيها مشرفين بنور أرواحهم على السالكين من أمتهم. ومن هنا يورد السيوطي الشاهد العرفي الشهير عن العارف الكبير أبي العباس المرسي الذي قال مقولته المأثورة
: “لو حُجِبَ عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددتُ نفسي من المسلمين”، وهو مقام من مقامات الاستغراق في شهود المعية النبوية والروحية التي يؤصل لها الكتاب.
وإذ نربط هذا التأصيل المعرفي بالتطبيق السلوكي في مدرسة النبوة الأولى، فإننا نستحضر تلك الحادثة العميقة التي عاشها الحبر الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في بيت خالته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، حين بات يرقب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل، فقام توضأ وصلى ، فوقف ابن عباس عن يساره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فأقامه عن يمينه.
وفي امتداد هذه الملازمة المباركة، تُذكر تلك اللفتة اللطيفة المرتبطة بـ “المرآة” الشريفة التي كانت في بيت أم المؤمنين ميمونة؛ حيث تشير لطائف أهل الإشارة والنظر إلى أن ابن عباس رضي الله عنهما نظر في مرآة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته شوقاً ووفاءً، فرأى صورة النبي صلى الله عليه وسلم مرتسمة في المرآة ولم يرَ صورة نفسه. وهي إشارة أخذها أهل الحقائق على مَحمل “الفناء في المحبوب”؛ حيث تسقط رؤية الذات وشهود “الأنا”، فلا يتبقى في مرآة الوعي والقلب إلا صورة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومثاله الشريف.
إن الحافظ السيوطي في “تنوير الحلك” يريد أن ينبهنا إلى أن الحواجز البرزخية تذوب وتتلاشى أمام قوة المحبة وصدق الاتباع. فالرؤية البرزخية للنبي صلى الله عليه وسلم هي كرامة جارية لخاصة الأمة على سبيل التثبيت والتبشير، تماماً كما كانت مرآة بيت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها شاهداً على أن من امتلأ قلبه بالنور، غاب عن شهود نفسه وحضر في شهود نبيه بالاتباع الصادق والتعلق القلبي الوثيق.
واخيراً اقول
ان هذا الكتاب الثمين والذخيرة العلمية التي أثارت هذه الشجون المعرفية والروحية، سائلاً المولى عز وجل أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا جميعاً، وأن يرزقنا اتباع السنة الشريفة ظاهراً وباطناً، وأن يكحل أعيننا برؤية وجه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة وحسن الخاتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى