عامود البيت المنسي: تأملات في يوم الأب العالمي وطقوس “الاضطهاد” العاطفي

بقلم: الأستاذ الدكتور قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار اكاديمي

  تبدأ هذه السطور بابتسامة خطّها الزميل العزيز جمال القحطاني في حالة طريفة على تطبيق الواتساب، لخصت واقع الحال بعبقرية ساخرة؛ حيث كتب ما معناه: "من شدة إهمال المجتمع والناس ليوم الأب، لم يكلّف أي رجل دين نفسه عناء الخروج بفتوى تُحرّم الاحتفال به .

هذه المفارقة المضحكة المبكية تختزل تماماً واقع هذا اليوم “المضطهد” بين المناسبات العالمية؛ فبينما تقام الدنيا ولا تقعد في عيد الأم، وتتزين الشوارع باللون الأحمر في عيد الحب، وتستنفر المنظمات في يوم المرأة، يمرّ يوم الأب هادئاً، خجولاً، وكأنه “تسلل” إلى التقويم العالمي دون أن يلاحظه أحد!
جذور الحكاية: كيف بدأ يوم الأب؟
لم يكن طريق الأب نحو يومه العالمي مفروشاً بالورود، بل جاء بمبادرة وفاء قادتها امرأة. تعود الجذور الأولى لهذه المناسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1910، وتحديداً بفضل جهود سيدة تُدعى سونورا سمارت دود.
الدافع الخفي: كانت سونورا تستمع إلى خطبة في الكنيسة عن عيد الأم، فتذكرت والدها “ويليام سمارت”، ذلك الجندي الشجاع الذي شارك في الحرب الأهلية الأمريكية، ووجد نفسه فجأة أباً عازباً يتولى بمفرده تربية ستة أطفال بعد وفاة زوجته.
الاعتراف الرسمي المكتسب بصعوبة: بفضل إصرارها، احتفلت ولاية واشنطن بأول يوم للأب في 19 يونيو 1910. لكن الاعتراف الرسمي الشامل تأخر كثيراً مقارنة بعيد الأم؛ ولم يوقع الرئيس الأمريكي ريجان أو الرؤساء السابقون مثل ليندون جونسون وريتشارد نيكسون قراراً بجعله عيداً وطنياً ثابتاً في الأحد الثالث من شهر يونيو إلا في أواخر ستينيات وسبيينات القرن الماضي.
محطة دولية: على الصعيد الأممي، لا تفرد الأمم المتحدة يوماً مستقلاً باسم “يوم الأب”، بل دمجت التكريم في إطار أشمل وهو “اليوم العالمي للوالدين” (الموافق للأول من يونيو من كل عام)، لتأكيد الشراكة الوالدية، وإن ظلت الشعوب تحتفل بيوم الأب بشكل منفصل تكريماً لخصوصية دوره.
خريطة الاحتفال: أين يتربع الأب على عرش التكريم؟
تختلف دول العالم في تحديد تاريخ هذا اليوم، لكن رقعة الاحتفال تتسع سنوياً:
الدول الأكثر احتفالاً (الأحد الثالث من يونيو): تسير على النهج الأمريكي كندا، والمملكة المتحدة، والعديد من الدول العربية والآسيوية والإفريقية.
العمق التاريخي والديني (19 مارس): تحتفل دول مثل إسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال بيوم الأب بالتزامن مع “عيد القديس يوسف”، حيث يأخذ الاحتفال هناك طابعاً عائلياً دافئاً مرتبطاً بالإرث الثقافي.
البلدان الإسكندنافية: تفضل الاحتفال به في الأحد الثاني من شهر نوفمبر، هرباً من زحام مناسبات الصيف والخريف.
لماذا يُعد يوم الأب “مضطهداً” بين المناسبات؟
الجواب يكمن في سيكولوجية الأبوة ذاتها، وفي العقلية التسويقية العالمية. إليكم أسباب هذا “التهميش” الظريف:
أبوة صامتة لا تطلب الثمن: الأب بطبعه كائن يربط قيمته بالعطاء لا بالأخذ. هو يرى احتفاله الحقيقي في نجاح أبنائه واستقرار بيته، ولا ينتظر باقة ورد أو بطاقة معايدة.
مؤامرة شركات الإعلانات: الأسواق العالمية تجد صعوبة في تسويق هدايا الأب؛ فالخيارات غالباً ما تنحصر “تاريخياً” في ربطة عنق، أو قلم، أو محفظة جلدية، أو جوارب! بينما تشتعل الأسواق في عيد الأم وعيد الحب بابتكارات المجوهرات، والعطور، والورود، والحلويات.
الهيبة والحرج الاجتماعي: يجد الكثير من الأبناء حرجاً عاطفياً في التعبير الرومانسي المباشر للأب مقارنة بالأم؛ فالعلاقة مع “عامود البيت” تتسم غالباً بالاحترام المهيب والتقدير الصامت، مما يقلل من الصخب الإعلامي حول المناسبة.
الأب.. عامود البيت وسر استقامته
خلف هذه المسحة من المزح والمفارقات، يظل الأب هو “عامود البيت” بالمعنى الحرفي والعميق للكلمة. إن البيوت لا تقام جدرانها بالخرسانة فقط، بل تُرفع بأكتاف الآباء الذين يحملون هموم الغد ليمنحوا أسرهم أمان اليوم.
الأب هو ذلك البطل الذي يتنازل عن طموحاته الشخصية ورفاهيته بصدر رحب، ليراها تتحقق في عيون أبنائه. هو الجدار الصلب الذي نتكئ عليه عندما تعصف بنا رياح الحياة، والمرجعية الرصينة التي تمنح العائلة توازنها، واستقرارها، وهويتها.
تحية لكل الآباء في يومهم، أولئك الذين يعملون بصمت، ويحبون بصمت، ويحمون البيت بحضورهم المهيب، حتى وإن نسيت الأسواق والمناسبات صياغة القصائد في عطلتهم!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى