لم يعد تصدير النفط من الخليج العربي مهمة بسيطة كما كان قبل اندلاع الحرب مع إيران؛ فالمعادلة التي كانت تقوم على إنتاج الخام بأقل تكلفة ونقله عبر أقصر وأسرع طريق إلى الأسواق العالمية تعرضت لاضطراب كبير، بعدما أصبح المرور عبر مضيق هرمز أكثر خطورة وكلفة. ووفقًا لما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، أدى تراجع حركة الشحن عبر المضيق إلى دفع دول الخليج نحو تسريع مشاريع ضخمة تهدف إلى إيجاد طرق بديلة لتصدير النفط والغاز وتوسيع قدراتها التخزينية في الأسواق الآسيوية.
وتشير الصحيفة إلى أن ناقلات النفط التي لا تزال تعبر المضيق تواجه مخاطر متزايدة، من بينها الطائرات المسيّرة والألغام والضربات الصاروخية، فيما اضطرت بعض السفن إلى إيقاف أجهزة تحديد المواقع أو اتخاذ إجراءات للحد من إمكانية تعقبها. وأسفرت الظروف الأمنية عن مقتل ما لا يقل عن 17 بحارًا في المنطقة، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التأمين على السفن إلى مستويات قياسية.
وأمام هذه المخاطر، بدأت دول الخليج، التي اعتمدت لعقود على مضيق هرمز لتصدير جانب كبير من إنتاجها النفطي، في إعادة النظر جذريًا في اعتمادها على هذا الممر المائي. وتقول «نيويورك تايمز» إن حكومات المنطقة وشركات الطاقة تنظر إلى الاستثمار في خطوط الأنابيب ومرافق التصدير والتخزين بوصفه نوعًا من التحوط الضروري في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، حتى وإن كانت هذه المشاريع مكلفة وتحتاج إلى سنوات حتى تكتمل.
وينقل التقرير عن بن كاهيل، محلل الطاقة في جامعة تكساس بمدينة أوستن، أن كثيرين يرون أن مضيق هرمز لن يستعيد مستقبلاً الحصة نفسها من صادرات النفط التي كان ينقلها قبل الحرب، مؤكدًا أن الدول المنتجة لا ترغب في الاعتماد مجددًا بشكل كامل على نقطة عبور واحدة. ويشير كاهيل إلى أن منتجي الطاقة باتوا يمنحون أولوية متزايدة لأمن البنية التحتية، حتى لو كان ذلك يعني تحمل تكاليف أكبر والتخلي عن بعض مزايا الكفاءة السابقة.
وبحسب التقرير، كان نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يمر يوميًا عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب، لكن الصراع والإجراءات البحرية والألغام والهجمات وارتفاع تكاليف التأمين أدت إلى انخفاض كبير في حركة النفط عبره. ووفق بيانات شركة «كبلر» لمراقبة الملاحة البحرية، تراجعت صادرات الخام عبر المضيق إلى نحو 3.7 مليون برميل يوميًا في الفترة التي تناولها التقرير.
وفي المقابل، تتسارع الجهود الخليجية لتطوير مسارات بديلة. ففي الإمارات، تعمل فرق الإنشاء على مدار الساعة في إمارة الفجيرة لإنشاء خط أنابيب ثانٍ موازٍ لخط قائم ينقل النفط من الحقول البرية في أبوظبي. ومن شأن المشروع رفع قدرة الإمارات على نقل النفط إلى الساحل المطل على خليج عمان، بما يسمح بتصدير الجزء الأكبر من الخام المنتج في أبوظبي من دون الحاجة إلى عبور الناقلات مضيق هرمز.
كما أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» عن خطة لاستثمار 8.2 مليار دولار لتوسيع أعمالها في قطاع الغاز الطبيعي، فيما تدرس إنشاء مجمع لتصدير الغاز الطبيعي المسال على الساحل الشرقي للإمارات، وهو ما سيتيح بدوره تجاوز مضيق هرمز في عمليات التصدير.
وفي السعودية، تسرّع شركة «أرامكو» خطط توسعة خط أنابيب «شرق-غرب»، الذي يمتد لمسافة تقارب 1201 كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية وصولًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وقد صُمم الخط أصلًا خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنه عاد ليكتسب أهمية استراتيجية كبيرة في ظل أزمة هرمز، بعدما أصبح منفذًا رئيسيًا لتصدير النفط السعودي بعيدًا عن المضيق.
وتدرس السعودية إضافة ما بين مليون ومليوني برميل يوميًا إلى الطاقة الاستيعابية للخط، إلى جانب بحث إنشاء خط أنابيب ثانٍ أصغر لنقل المنتجات النفطية المكررة. ونقلت الصحيفة عن الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر أن الشركة تعمل على زيادة خيارات تصدير الخام وتوسيع نطاقها، في ظل تحول أمن الطاقة إلى أولوية رئيسية.
ولا تقتصر إعادة رسم مسارات الطاقة على الإمارات والسعودية، إذ تشير «نيويورك تايمز» إلى أن تداعيات أزمة هرمز دفعت دول الخليج إلى بحث مشاريع مشتركة. وتبحث الكويت مع السعودية ودول عربية أخرى إمكانية إنشاء خط أنابيب يربط الحقول النفطية الكويتية بموانئ على البحر الأحمر أو بحر عُمان، فيما أعاد العراق والأردن إحياء خطط قديمة لإنشاء خط أنابيب يمكن أن ينقل ما يصل إلى مليون برميل يوميًا إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، يسعى العراق إلى تسريع خطط إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي متضرر يمكن أن ينقل الخام من حقول كركوك إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بما يوفر منفذًا إضافيًا للصادرات العراقية بعيدًا عن مضيق هرمز.
لكن هذه البدائل لا تخلو من مخاطر وتحديات. فإعادة توجيه جزء من حركة النفط السعودية نحو البحر الأحمر تنقل بعض المخاطر الأمنية إلى مناطق أخرى، ولا سيما مضيق باب المندب، حيث لا تزال الهجمات على السفن تشكل تهديدًا للملاحة. ولذلك، فإن التخلص من الاعتماد على هرمز لا يعني بالضرورة التخلص من المخاطر، بل قد يؤدي إلى توزيعها على ممرات ومناطق بحرية أخرى.
وتشير الصحيفة كذلك إلى أن دول الخليج تعمل على بناء ما يمكن وصفه بـ«وثائق تأمين عينية» من خلال توسيع منشآت تخزين النفط في دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان والهند. والفكرة تقوم على الاحتفاظ بمخزونات قريبة من الأسواق المستهلكة، بحيث يكون النفط موجودًا بالفعل في الجهة الأخرى من الممرات البحرية إذا تعرض مضيق هرمز للإغلاق أو التعطيل.
ومع ذلك، ترى «نيويورك تايمز» أن الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز يظل غير واقعي في المستقبل المنظور، نظرًا إلى البنية التحتية القائمة والمزايا التي يوفرها الممر للتجارة والطاقة. وتنقل الصحيفة عن كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة «كريستول إنرجي» الاستشارية، أن دول الخليج لا تزال بحاجة ماسة إلى المضيق، لكنها في الوقت نفسه أدركت أن الاعتماد المطلق عليه يمثل مخاطرة لا يمكن الاستمرار في تحملها.
وبذلك، لا يبدو أن الأزمة الحالية ستؤدي بالضرورة إلى نهاية دور مضيق هرمز، لكنها قد تنهي عصر الاعتماد الخليجي شبه الكامل عليه. فالمشاريع الجديدة في خطوط الأنابيب وموانئ التصدير ومرافق التخزين تمثل تحولًا استراتيجيًا طويل الأمد في خريطة الطاقة الإقليمية، وقد تؤدي مع مرور الوقت إلى تقليص قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط جيوسياسية، حتى لو ظل الممر البحري يحتفظ بأهميته الكبرى في تجارة النفط العالمية.




