رسالة شديدة اللهجة إلى كل من يهمه أمر العراق

بقلم الدكتور هاشم خليل ارزوقي

إن الارتفاع المفاجئ في مستوى الزيارات الإيرانية المستعجلة إلى بغداد، من شخصيات سياسية وأمنية رفيعة إلى ممثلين عن المرشد، لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن المعركة الحقيقية الدائرة اليوم حول سلاح الفصائل المرتبطة بإيران في العراق. فما الذي جاءوا من أجله؟ ولماذا هذا الاستنفار السياسي والدبلوماسي والأمني في هذا التوقيت بالذات؟

يبدو أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على السلاح الإيراني في العراق بأي صيغة ممكنة :- تأجيل تسليمه إلى الدولة لعامين، أو إيداعه مؤقتًا خارج العراق، أو إدخاله تحت مسمى آخر، أو إعادة تنظيم انتشاره وتموضعه، أو دمجه شكليًا في مؤسسة رسمية.

لكن العراقيين ليسوا أغبياء. تغيير الاسم لا يغيّر الحقيقة، ونقل السلاح من مكان إلى آخر لا يسقط عنه تبعيته، وإعادة تموضعه لا تجعله سلاحًا وطنيًا. السلاح الذي يبقى مرتبطًا بإرادة خارجية، ويمكن استخدامه عندما تطلبه طهران، ليس سلاحًا عراقيًا مهما كانت التسمية التي تُطلق عليه.

لقد دفع العراق ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه واستقراره وسيادته بسبب السلاح المنفلت والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلبًا سياسيًا لفئة دون أخرى، وإنما هو الشرط الأول لقيام دولة عراقية حقيقية.

والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل سياسي عراقي بصراحة هو:-

عندما تتعارض مصلحة إيران مع مصلحة العراق، إلى من سيكون ولاؤك؟ لا يمكن أن تكون الإجابة :- أنا عراقي، ثم يكون القرار والسلاح والولاء في النهاية خارج الحدود.

والأشد خطورة أن يتحول بعض العراقيين إلى أدوات للدفاع عن مشروع أجنبي داخل وطنهم، ثم يطلبون من العراقيين الآخرين السكوت بحجة الطائفة أو المقاومة أو المصلحة الإقليمية.

لا يا سادة. العراق ليس ولاية إيرانية، ولن يكون. أما محاولات التدخل في تاريخ العراق وهويته، وتقديم خرائط أو روايات تحاول إظهار العراق وكأنه كان في يوم من الأيام أرضًا فارسية، فهي ليست مجرد ورقة تاريخية يمكن المرور عليها مرور الكرام. العراق له تاريخه وحضارته وهويته وحدوده وشعبه، ولا يحتاج إلى شهادة من إيران أو غيرها لكي يثبت عراقيته.

ومن هنا فإن استدعاء السفير الإيراني من قبل وزارة الخارجية العراقية، إن صح أن الأمر جاء على خلفية مثل هذه الخرائط أو الادعاءات، يجب أن يكون موقفًا واضحًا وحازمًا :- سيادة العراق وتاريخه وحدوده ليست موضوعًا للمساومة أو التفسير من قبل أي دولة أجنبية.

وأقولها بصراحة أكبر: – من يريد العراق تابعًا لإيران فليعلن ذلك صراحة، ومن يريد عراقًا مستقلًا فليثبت ذلك بالفعل لا بالشعارات.

لم يعد مقبولًا أن يرفع شخص شعار « العراق أولًا » في النهار، ثم يدافع ليلًا عن بقاء سلاح دولة أجنبية على أرض العراق.

ولم يعد مقبولًا أن يُطلب من الدولة العراقية أن تحمي مواطنيها، بينما توجد قوى مسلحة تستطيع أن تتحرك خارج قرارها. ولم يعد مقبولًا أن تكون بغداد عاصمة العراق، بينما يحاول آخرون أن يجعلوا قرارها مرتهنًا لقرارات تصدر من خارج الحدود.

أيها الوطنيون العراقيون، هذه ليست قضية سنّة أو شيعة أو عرب أو كرد أو تركمان. وليست معركة بين مكونات الشعب العراقي. إنها قضية العراق نفسه. ولهذا أناشد كل عراقي وطني، مهما كان مذهبه أو قوميته أو انتماؤه السياسي، أن يقف ضد أي مشروع ينتقص من استقلال العراق، وضد أي جهة تريد إبقاء سلاح خارج السيطرة الحقيقية للدولة، وضد كل محاولة لتحويل العراق إلى قاعدة نفوذ أو ساحة حرب بالوكالة.

نحن لا ندعو إلى الحرب مع إيران، ولا نريد العداء للشعب الإيراني. نريد فقط علاقة طبيعية بين دولتين جارتين: احترام متبادل، حدود محترمة، وعدم تدخل، ولا سلاح تابع لطهران داخل العراق.

هذا هو الحد الأدنى الذي يفرضه منطق الدول والقانون الدولي وكرامة الشعوب. أما الذين يعتقدون أن بإمكانهم الاحتفاظ بالسلاح، وتغيير اسمه، وتأجيل تسليمه، ونقل مكانه، ثم مطالبة العراقيين بتصديق أن المشكلة انتهت، فنقول لهم :- العراقيون يريدون إنهاء المشكلة، لا إعادة تغليفها.

السلاح يجب أن يكون عراقيًا، والقرار يجب أن يكون عراقيًا، والولاء يجب أن يكون للعراق. ومن يريد أن يختلف سياسيًا مع الدولة فليختلف بالكلمة والصندوق والوسائل الدستورية، أما أن يحتفظ بسلاح يمكن أن يُستخدم لفرض إرادة سياسية أو حماية نفوذ دولة أجنبية، فهذا ليس دفاعًا عن العراق، بل إضعاف للدولة العراقية وسيادتها.

لقد حان الوقت لأن نقولها بلا خوف ولا مواربة :- العراق ليس ورقة في يد إيران، وليس ممرًا لمشاريعها، وليس ساحة لتصفية حساباتها مع الآخرين. العراق وطن مستقل، ومن يريد أن يكون عراقيًا بحق فعليه أن يضع العراق أولًا. والتاريخ لن يسألنا ماذا قلنا عن الوطنية، بل سيسألنا :- ماذا فعلنا عندما كانت سيادة العراق على المحك؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى