أ.د. قيس عبد العزيز الدوري –
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
لم تكن قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوماً مجرد منبرٍ لإلقاء الخطابات المنمقة؛ بل كانت الساحة الأكثر حيوية التي تنعكس على بلاطها التوترات وتشتعل فوق منبرها المواجهات الجيوسياسية. وفي المشاهد الأخيرة التي جسدت ذروة الاستقطاب الدولي، تحولت القاعة إلى مسرح لرسائل الغضب الصامتة؛ حيث سارعت الوفود إلى إخلاء مقاعدها، بين انسحابٍ كوبي حاد أثناء كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب وصفه كوبا بـ “الدولة الفاشلة”، وانسحابٍ أمريكي متبادل فور اعتلاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المنبر وتصويب انتقاداته لنفوذ واشنطن.
إن لجوء الدبلوماسيين إلى ترك المقاعد الشاغرة ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو “لغة مشفرة” صاغتها الأعراف الدولية لتغدو أداة تعبير سياسية عالية النبرة تحمل رسائل مزدوجة؛ بعضها موجه للخارج لردع الخصوم، وبعضها الآخر موجه للداخل الوطني لتأكيد الصلابة والأنفة.
زلزال نيويورك الصامت.. المقاطعة الكبرى لخطاب نتنياهو
غير أن الحدث الأبرز والأكثر وقعاً وإحداثاً للصدمة في تاريخ المنظمة الدولية مؤخراً، كان ذلك الانسحاب الجماعي غير المسبوق الذي تزامن مع اعتلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منصة الجمعية العامة. فما إن أُعلن عن اسمه، حتى اهتزت القاعة بحركة اندفاع واسعة نحو الأبواب؛ حيث غادرت عشرات الوفود العربية والإسلامية والدولية مقاعدها بشكل جمعي، تاركين خلفهم القاعة شبه خاوية إلا من بضعة وفود مؤيدة.
لم تكن تلك اللقطة مجرد خروج بروتوكولي، بل كانت «صفعة دبلوماسية مدوية» وعزلة سياسية خانقة بُثت على الهواء مباشرة. لقد تحول تحرك المندوبين نحو الخروج إلى رسالة إدانة دولية حاسمة ترفض منح الشرعية لخطاب الاحتلال وتفضح جرائمه الميدانية والتصعيد العسكري في غزة ولبنان. لقد اختار المجتمع الدولي أن يتحدث بأقدامه، مشكلاً لقطة بصرية هزت أركان نيويورك، وجعلت نتنياهو يخطب أمام “فراغ المقاعد” في مشاهد اختصرت تهاوي روايته أمام ضمير العالم.
صفحات من تاريخ السخط الدبلوماسي
يقودنا الاستقراء التاريخي إلى أن سلوك الانسحاب هو امتداد لسلسلة طافحة باللحظات الدرامية التي وثقها تاريخ العلاقات الدولية:
شرف الموقف والأخلاق للدكتور محمد الدوري (2003):
يقودنا الحديث عن الانسحابات إلى الوقوف عند أهم وأسمى أنواع الانسحاب الدبلوماسي؛ وهو الانسحاب الأخلاقي القائم على نبل الموقف والترفع عن شرعنة الاحتلال. وتظل تجربة سفير العراق الأسبق، الأستاذ الدكتور محمد الدوري، نموذجاً تاريخياً خالداً. فقبيل غزو العراق، خاض معركة قانونية شرسة، وعندما فرضت الآلة العسكرية واقع الاحتلال، نطق بعبارته الشهيرة “اللعبة انتهت” وأعلن انسحابه. ورغم المغريات التي وُجهت له للبقاء في منصبه بدعم ورعاية أمريكية صريحة لو قبل بالتماهي مع الاحتلال، إلا أنه رفض المساومة؛ ففضل الاستقالة والمغادرة مرفوع الرأس، معلماً العالم أن الدبلوماسية موقف وأخلاق لا مناصب تُباع وتُشترى.
طرق الحذاء الشهير لخروتشوف (1960):
خلع الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف حذاءه وضرب به على الطاولة احتجاجاً على انتقادات الوفد الفلبيني للسياسات السوفيتية، في موقف درامي كسر وقار البروتوكول.
هجوم تشافيز ورائحة الكبريت (2006):
صعد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز المنبر قائلاً: “الشيطان كان هنا بالأمس، ورائحة الكبريت لا تزال تفوح!” في إشارة للرئيس الأمريكي جورج بوش، مما دفع الوفد الأمريكي للانسحاب فوراً.
انسحابات المحرقة ضد أحمدي نجاد (2007 – 2011):
توالت الانسحابات الجماعية للوفود الغربية كلما اعتلى الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد المنبر صباً جام غضبه على الغرب ومشككاً في السرديات التاريخية للمحرقة.
تفكيك أبعاد المقاعد الخالية
تتنوع أبعاد هذا السلوك الدبلوماسي في محاور أساسية:
- الانسحاب الجماعي الحاد (عزل الخصم): كما تجلى في مشهد خطاب نتنياهو؛ إذ يهدف للتعرية السياسية ونزع الشرعية وإحداث صدمة إعلامية تغطي على كلمة المتحدث.
- الانسحاب المبدئي الأخلاقي: وهو النوع الأهم، كالذي جسده الدكتور محمد الدوري؛ حيث يكون الانسحاب رفضاً للتفريط في السيادة أو القبول بواقع غير شرعي.
- الانسحاب التكتيكي الثنائي: كالمشاهد المتبادلة بين واشنطن وخصومها، وتُبث كرسائل إثبات موقف موجهة للداخل الوطني.
- مقياس التكتلات الدولية: يكشف الخروج الجمعي خريطة حية ومباشرة لطبيعة التحالفات والاستقطابات المحتدمة في النظام الدولي.
واخيراً أقول :
تبقى الجمعية العامة للأمم المتحدة المرآة الصادقة التي تنعكس عليها صور العالم وتقلبات موازينه. وما شهدته القاعة من زلزال خروج الوفود أثناء كلمة نتنياهو، أو المشادات الصامتة بين القوى الدولية، والمواقف التاريخية المشرفة كوقفات الشرفاء في وجه الاحتلال، يثبت أن لغة الجسد والدبلوماسية الرمزية لا تزال تملك حجيتها، وأن المقاعد الخالية في نيويورك قد تقول ما تعجز عنه آلاف الخطابات المنسقة.



