مكة المكرمة.. من أبرهة الحبشي إلى الحوثيين: حرمةٌ لا تُستباح وذاكرةٌ لا تنسى

أ.د قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

ليست مكة المكرمة مدينة كسائر المدن، ولا الكعبة المشرفة بناءً كسائر الأبنية؛ إنها قبلة المسلمين وبيت الله الحرام، وموضع الوحي والتوحيد والأمن والسكينة.
لذلك لا يُقرأ تاريخها من خلال عمارتها وأسواقها والدول التي تعاقبت عليها فحسب، بل أيضًا من خلال محاولات الاعتداء على حرمتها. اختلف المعتدون في أزمنتهم وأهدافهم وأسلحتهم، لكن الحقيقة بقيت واحدة: أن مكة بقيت، بينما مضى المعتدون إلى صفحات التاريخ.
من أبرهة الحبشي، الذي تروي المصادر الإسلامية أنه سار بجيشه لهدم الكعبة، وترتبط حملته بسورة الفيل في القرآن الكريم، إلى حصاري مكة سنة 64هـ و73هـ، وما أصاب الكعبة من أضرار خلال القتال، ثم دخول القرامطة مكة سنة 317هـ وقتلهم عددًا كبيرًا من الحجاج وسلبهم الحجر الأسود ونقله إلى هَجَر في إقليم البحرين التاريخي، ظل الحرم موضعًا للصراع ثم استعاد عافيته.
وتذكر المصادر أن الحجر الأسود أُعيد إلى مكة سنة 339هـ، بعد بقائه لدى القرامطة أكثر من عقدين. وتؤكد هذه الوقائع، في مجملها، أن تحويل مكة إلى ساحة للصراع السياسي أو العسكري لا يغيّر مكانتها الدينية، بل يكشف خطورة تجاوز حرمتها.
وفي العصر الحديث شهد المسجد الحرام سنة 1979م، الموافق 1400هـ، اقتحامًا مسلحًا قاده جهيمان العتيبي وأنصاره، وانتهى بعد نحو أسبوعين باستعادة القوات السعودية السيطرة على الحرم.
وهكذا لم يكن الاعتداء على المقدسات حكرًا على عصر أو جماعة أو اتجاه؛ اختلفت الشعارات والأسلحة، لكن النتيجة واحدة: المقدسات أبقى من المشاريع التي تحاول توظيفها أو الاعتداء عليها.
أما ما يُتداول عن استهداف مكة في العصر الحديث، فينبغي عرضه بدقة زمنية ومصدرية. فلا يمكن إثبات واقعة مزعومة في سبتمبر 2026 ضمن سجل تاريخي مكتمل، لأن هذا التاريخ لم يأتِ بعد.
كما أن البيانات والتقارير المتاحة حتى الآن لا تبرر الجزم بأن جماعة الحوثي أطلقت طائرة مسيّرة باتجاه مكة أو أن حادثة محددة وقعت قرب المجال الجوي للعاصمة المقدسة في ذلك الشهر.
وقد شهدت المنطقة، في سنوات سابقة، اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة أُطلقت من اليمن باتجاه أهداف في السعودية، وأعلنت السلطات السعودية في بعض الحالات أنها كانت متجهة نحو مكة أو مناطق قريبة منها، بينما نفى الحوثيون في حالات أخرى استهداف مكة وأكدوا أن عملياتهم موجهة إلى أهداف عسكرية.
لذلك يجب التمييز بين الوقائع المعلنة، والروايات المتعارضة، والاستنتاج السياسي أو الأخلاقي الذي قد يُبنى عليها.
وبصرف النظر عن النية المعلنة، فإن اقتراب أي سلاح من مكة أو من المناطق المأهولة يمثل خطرًا بالغًا؛ فهي ليست مدينة عادية، وأي خطأ في الحسابات قد تكون عواقبه كارثية.
إن مكة ليست ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، والكعبة ليست ورقة ضغط، والمقدسات ليست أهدافًا في أي نزاع.
كما أن حرمة مكة والمدينة تتجاوز الانتماءات السياسية والمذهبية والجغرافية؛ فكثيرون، حتى ممن يضعف حضور الدين في حياتهم اليومية، يشعرون عند تعرض المقدسات للخطر بانتماء عميق يدفعهم إلى رفض المساس بها.
فمكة تستخرج من الوجدان معنى روحيًا جامعًا، والكعبة توحّد القلوب التي فرقتها السياسة، والمدينة المنورة تستعيد معنى الأخوة المتجاوزة للحدود واللغات والأعراق والمذاهب.
ولهذا فإن الدفاع عن حرمة مكة ليس قضية دولة أو شعب أو مذهب بعينه، بل مسؤولية وشعور متجذران لدى المسلمين جميعًا.
مكة ليست ملكًا لحزب أو مذهب، وليست ورقة في صراع سياسي؛ إنها بيت الله الحرام وقبلة المسلمين.
والمدينة المنورة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها المسجد النبوي الشريف.
ومن هنا، فالرسالة واضحة: اتركوا مكة خارج صراعاتكم.
لا تجعلوا مقدسات أكثر من مليار مسلم ورقة في نزاع إقليمي، ولا تستخدموا الحرم لإرسال الرسائل السياسية.
وإلى الحوثيين تحديدًا، يذكّر التاريخ بأن من يضع نفسه في مواجهة حرمة مكة لا يواجه مدينة فحسب، بل وجدان أمة بأكملها.
قد تتغير الدول والأنظمة وموازين القوة، لكن حرمة مكة لا تتغير، ومن يقترب من المقدسات بمنطق القوة يسجل نفسه في سجل من سبقوه.
تروي المصادر الإسلامية أن أبرهة جاء بجيش وفيلة، ثم انتهت حملته دون هدم الكعبة، مع اختلاف المؤرخين في تفاصيل الحملة وتاريخها الدقيق.
والقرامطة اقتلعوا الحجر الأسود ثم أعادوه، بحسب الروايات التاريخية، بعد أكثر من عقدين.
ووصل القتال والمنجنيقات إلى مكة في فتن تاريخية، فأصيبت الكعبة بأضرار ثم أُعيد بناؤها أو ترميمها.
ودخل المسلحون المسجد الحرام سنة 1979م، ثم انتهت الحادثة وبقي الحرم.
وهذه ليست دعوة إلى العنف، بل قراءة للتاريخ تؤكد أن المقدسات أكبر من صراعات أصحابها وأبقى من مشاريع المعتدين عليها.
قد يحقق السلاح أثرًا مؤقتًا في ساحة معركة، لكنه لا يغيّر مكانة مكة في وجدان المسلمين، ولا ينتزع الكعبة من قلوبهم.
وإذا عجزت السياسة عن جمعهم، جمعتهم مكة؛ وإذا فرقتهم الصراعات، وحدتهم الكعبة؛ وإذا اختلفت الدول، بقي بيت الله الحرام فوق اختلافاتها.
لذلك ينبغي أن يسجل حاضرنا درسًا مختلفًا: أن المسلمين، مهما اختلفوا في السياسة، قادرون على الاتفاق على حرمة المقدسات وضرورة حمايتها.
إن مكة لا تحتاج إلى أن تدخل في صراعاتنا؛ نحن الذين نحتاج إلى إخراج صراعاتنا من محيطها.
والمدينة لا تحتاج إلى شعاراتنا؛ نحن الذين نحتاج إلى التعلم من رسالتها معنى الرحمة والأخوة والسلام.
قد تتغير الدول، وتسقط الأنظمة، وتنتهي الحروب، وتتبدل خرائط السياسة، لكن مكة تبقى مكة؛ قبلةً للمسلمين، وبيتًا لله، وموطنًا تتوحد عنده القلوب.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يفهمه الجميع:
مكة المكرمة ليست هدفًا عسكريًا، والمدينة المنورة ليست ورقة سياسية، والحرم ليس ساحة للصراع.
ومن أراد أن يكتب اسمه في التاريخ، فليكتبه في حماية الإنسان وصون المقدسات وحقن الدماء، لا في سجل الذين حملوا السلاح باتجاه بيت الله الحرام.
فالمعتدون يمضون، أما مكة فتبقى.
وتبقى الكعبة، ويبقى الحرم، وتبقى القبلة واحدة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى