أ. د. قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
في المشهد الثقافي القطري الممتد بالحيوية والعطاء، يبرز “موسم الندوات” كعلامة فارقة وتقليد فكري رفيع المستوى، يترجم بصدق رؤية استراتيجية تؤمن بأن بناء الإنسان وتعميق وعيه هما العماد الأساسي لنهضة الأمم. ومع إسدال الستار على فعاليات هذا الموسم الاستثنائي، الذي انضوت تحته شراكات مؤسسية كبرى بين وزارة الثقافة، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وجامعة حمد بن خليفة، وجامعة لوسيل، يجد المراقب نفسه أمام محطة تثير التأمل والإكبار بحجم الإنجاز المعرفي المتحقق.
لقد تميز هذا الموسم بتنوع موضوعاته العميقة التي لامست هموم الفكر والمجتمع والتاريخ، وتوزعت ندواته ببراعة لتغطي زوايا حيوية في حياتنا المعاصرة:
فعالية حوار مفتوح حول قضايا فكرية راهنة: والتي استضافت المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، لتقدم قراءة تحليلية عميقة في بنية التحولات الفكرية والسياسية المعاصرة، تاركة أثراً عميقاً على الصعيدين الثقافي والسياسي عبر تفكيك الأنساق الكبرى الحاكمة لواقعنا.
ندوة “كيف نقرأ التاريخ.. بين الذاكرة والوعي وتعدد الروايات”: التي جمعت الدبلوماسي والأكاديمي د. ناجي صبري، والأكاديمي وأستاذ مقارنة الأديان د. فوزي البدوي، لتقدم مراجعة نقدية لطرق مقاربة التاريخ، مما عزز الوعي الهوياتي والاجتماعي بأهمية قراءة الذاكرة الوطنية والإنسانية بمنهجية علمية واعية.
ندوة “سلطة الخوارزميات في تشكيل السرديات وبرمجة العقول”: والتي شارك فيها د. عبدالرحمن الحرمي (الاستشاري التربوي والأكاديمي) وأ. محمد سالم (المدرب والاستشاري الإعلامي)، لتلامس التحديات الرقمية والاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها تقنيات العصر، كاشفة عن أبعاد التحكم الرقمي في الوعي الجمعي.
ندوة “أسرار رحلة تدوين الحديث النبوي عبر القرون.. ألف عام من الحفظ والتحقيق”: التي استضافت شيخ المحققين المؤرخ د. بشار عواد، لتغمر القلوب والعقول بفيض من المعرفة العميقة حول تاريخ النصوص المقدسة وضوابط حفظها، ممثلة ذروة الإضاءة الروحية والثقافية للموسم.
إن هذه الندوات لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل شكلت رافداً استراتيجياً لنشر الوعي الثقافي والاجتماعي في المجتمع، وفتحت نوافذ تحليلية لفهم التشابكات الاقتصادية والسياسية لعالم اليوم، ووطدت أواصر الحوار العقلاني الرصين. وحين نقف عند الندوة الختامية ومحاضرة العلامة الدكتور بشار عواد، يدرك المرء عِظم الأمانة العلمية؛ فعلى الرغم مما أنجزه الباحثون من مؤلفات تتجاوز العقد ويزيد، يقف الإنسان متواضعاً أمام قامة أقدمت على إنجاز مئات الكتب ( ٤٢٠ مؤلف) وما زالت برغم عتبات التسعين وشكواها اللطيفة من هرم العمر تمنح تسع ساعات كاملة يومياً للعلم والتحقيق!
إنه مشهد يبعث على مراجعة الذات وإشعال جذوة الهمة من جديد لإخراج مشروعات التأليف المؤجلة إلى النور، فالعمر ما دام فيه نَفَس فالقلم لا يشيخ.
ولا يمكننا في مقام الإشادة إلا أن نزجي أسمى آيات الشكر والعرفان للقائمين على موسم الندوات في وزارة الثقافة والمؤسسات الشريكة, على حسن التنظيم ورصانة الاختيار وجودة المخرجات التي أبهرت الحاضرين والمهتمين. كما يقف المراقب إجلالاً وتقديراً للدعم الكبير والرعاية الكريمة التي أولاها سعادة وزير الثقافةوإلى جانب جهود سعادة وكيل الوزارة الأستاذ مبارك بن عبدالله آل خليفة في دعم ومتابعة هذا الحراك الثقافي، وهو ما يعكس إرادة مؤسسية حقيقية لجعل الثقافة فعلاً حياً ينبض في قلب المجتمع.
ولقد أضفى على الجلسات روعة ومهنية عالية الأداء الاحترافي والمتميز للأستاذ جاسم سلمان، الذي أدار الحوار بكفاءة واقتدار كبيرين، مسهماً في ضبط إيقاع الجلسات وتعميق نقاشاتها. كما نشير إلى الجهود المتميزة للأخت إيمان الكعبي في إدارة حوارين من جلسات الموسم بكل مهنية وموضوعية.
وعلى الرغم من أن كثافة الحضور والزحام لم تتيح لي فرصة المداخلة وطرح الأسئلة المباشرة، إلا أن متابعة هذه الدرر الفكرية كانت تجربة ثرية ومميزة بكل المقاييس. والشكر موصول لتلك القامات والنخب العلمية والفكرية والأكاديمية الغفيرة التي حضرت واملأت القاعات والمدرجات بحضورها النوعي وأسئلتها التي أغنت الحوارات.
إن “موسم الندوات” يثبت يوماً بعد يوم أنه ليس إلا شمعة مضيئة في سماء الدوحة الثقافية، تتسع دائرة تأثيره لتؤسس لوعي مستدام، وبناء فكري راسخ يستشرف المستقبل بكل ثقة واقتدار.



