** أحمد الحسين – كاتب وصحفي
فتح خطاب سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمام مجلس الشورى، الباب أمام تساؤلات تتجاوز إدارة الأزمة الراهنة إلى مستقبل السياسة الخارجية الخليجية: كيف تحمي دول الخليج سيادتها، وتصون مصالحها، وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع؟
فقد طرح الخطاب مبادئ يمكن البناء عليها لصياغة سياسة خليجية أكثر تأثيراً، تجمع بين قوة الموقف وفاعلية الدبلوماسية. فحماية السيادة لا تتعارض مع الحوار، والتمسك بالحلول السلمية لا يعني التهاون في مواجهة الاعتداءات، بل يفتح المجال أمام تسويات تحفظ الحقوق وتحدّ من التصعيد.
إن احترام سيادة الدول والقانون الدولي وحسن الجوار يجب أن يشكل قاعدة ثابتة للعلاقات الإقليمية، بعيداً عن ازدواجية المعايير أو ربط المواقف بهوية الطرف المستهدف. فالدفاع عن سيادة دولة خليجية يعزز مبدأ تحتاج إليه دول مجلس التعاون جميعها، ويؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية خليجية أكثر تنسيقاً واستقلالية في تقدير المصالح، لا تفترض تطابق مواقف دول المجلس في جميع الملفات، لكنها توحّد الجهود حول المصالح المشتركة، وفي مقدمتها أمن المنطقة، وحرية الملاحة، وحماية المنشآت الحيوية واستقرار الاقتصاد.
كما أن تنويع الشراكات الدولية يمنح دول الخليج هامشاً أوسع للتحرك، ويعزز قدرتها على التأثير في التفاهمات الدولية، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها. فالدور الخليجي الفاعل لا يُقاس بحجم العلاقات وحده، بل بالقدرة على توظيفها لخدمة المصالح وصناعة الحلول.
وتبقى الدبلوماسية والوساطة من أبرز أدوات التأثير الخليجي؛ إذ تتيحان فتح قنوات الاتصال، وتيسير المفاوضات، وتقليص احتمالات المواجهة. وعندما تتكامل الدبلوماسية مع القدرة الدفاعية، تصبح الرسالة واضحة: السيادة مصونة، وباب الحل السياسي مفتوح.
ولا تكتمل هذه الرؤية دون موقف خليجي متسق تجاه القضية الفلسطينية، يقوم على احترام القانون الدولي، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يعزز صدقية المواقف العربية ويخدم فرص الاستقرار.
الخلاصة: إن الرؤية الخليجية المنشودة ليست اصطفافاً جديداً ولا دعوة إلى مواجهة دائمة، بل مشروع لسياسة خارجية أكثر توازناً وفاعلية، تحمي السيادة، وتنوّع الشراكات، وتستثمر في الدبلوماسية، وتحول التحديات الإقليمية إلى فرص لتعزيز الأمن والاستقرار وصناعة القرار.




