ظهرت الجزيرة في وقت كانت فيه الشعوب العربية تقبع في غياهب الإعلام الإستخباراتي الموجه للدول العربية القائم على مبدأ “ولا الضالين آمين”، وكسبت شهرة عالمية إستطاعت من خلالها توعية الشعوب العربية والإسلامية بما يحاك ضدها من دسائس في قضاياها الوجودية منها والمصيرية.
لاقى نهج الجزيرة في تلك الفترة تذمراً واسعاً في أوساط الساسة العرب لإن طوفانها أتى عكس تيارات تلك الدول القائمة على القاعدة الفرعونية “ما أريكم إلا ما أرى”. فقد تعودوا عبر السنين على التطبيل الذي يتحدث عن أمجادهم وأمجاد أجدادهم وسماع قصائد المدح فيهم حتى ظنّ كثيرٌ منهم بأنهم رُسُلٌ من الله، أتى بهم لإخراج الناس من ظلمات الحرية إلى نور العبودية. فهم يريدون قنوات تمجّدهم وتخلد ذكراهم وتتحدث عن تاريخ صاحب هذا الحذاء أو ذاك السروال وفضائله، ولا يمانعونها كذلك إذا ما دعت الناس للتبرّك بها تقرباً إلى الله. فكيف تظهر تلك القناة لتنشر غسيلهم وغسيل أجدادهم القتلة وتاريخهم النتن المتمثل بعمالتهم للصهاينة والإنجليز من قبلهم؟
أما الإسرائيليون الذين كانوا منشغلين بالسيطرة على الإعلام الأمريكي، فقد صحوا من سباتهم بعد ظهور الجزيرة التي أتت عكس توجهاتهم فحاولوا توظيفها لخدمة قضاياهم وفشلوا، فقاموا بالتقرب من قطر التي رحبت علناً حينها بهذا التقارب و بشروط تخدم مبادئها القائمة على الإسلام.
ظهرت علينا من خلال منصتها ولأول مرة وجوهاً إسرائيلية تعرض وجهة نظر الطرف الآخر، حتى أدرك الجانب الإسرائيلي سلبيّة تلك المشاركات التي كانت تزيد من وجوههم القبيحةِ قبحاً في أوساط الشارع العربي والمسلم، ليكتفوا بعدها بمشاركات محدودة وعلى نطاق ضيق لتوضيح نقطة ما، ينظرون لها بأنها قد تخدم مصالحهم وترى الجزيرة كذلك من خلالها إمكانية لتعرية أكاذيبهم.
لجأ الإسرائيليون إلى إيجاد حلول أخرى للهيمنة على الإعلام العربي، ووجدوا ضالتهم عند الجار الذي يعمل بسياسة “عرض السراويل” ولو بطرق مختلفة بعض الشئ تصل للشرك بالله أحياناً. فقام ذلك الجار بتأسيس مدينة إعلامية عام ٢٠٠١ تحت مضلة إستثمارية دُعِمت بتشريعات ظاهرها الحرية، نشأت من خلال هذه المدينة كيانات إعلامية هشّة وبرؤوس أموال مستثمرين من دولة يكنّون لها أحقاد تاريخية، قاموا بعدها بدعم ما رأوه بأنه قد يخدم أجنداتهم القذرة بتقديمهم التسهيلات البنكية السخية و التي لم تكن تهدف لدفعها للأمام بقدر تعمدهم إغراقها في الديون. فما كان من ملّاك هذه القنوات إلا أن ينصاعوا لاحقاً لأجنداتهم الخبيثة، تجنباً منهم لتسليط سيف قضائهم الموجه والمطالبة بسداد تلك الديون، وغيرها من الأمور التي لا تخلوا من قذارات أجهزتهم الأمنية.
كانت إسرائيل تعي جيداً أن الجار تسيطر عليه عقد تاريخية وأمراض نفسية وتحركه مشاعر الحقد والضغينة ضد أي نجاح في المنطقة لا ينسب له. ويعلمون كذلك إمكانياته الفكريّة المحدودة وأُفقه الضيق بل وعدم أهليته بإقناع أهل بيته بصحة صوابه، فكيف له أن يقنع الشارع العربي بصحة أفكاره القائمة على حربه لعقيدته؟
لذلك قدّمت له كل أشكال الدعم الإستخباراتي والفني ورسم الخطوط التحريرية لتلك القنوات وأهدافها التي كان أهمها تشكيك الجيل القادم بقضايا أمته، لم تنجح تلك المنصات في تحقيق أهدافها فلجأوا إلى أساليب إستخباراتية قذرة في تجنيد أشخاص تظهر أصواتهم النشاز في تلك القنوات حيث كلفتهم تلك الخطوة الكثير من الجهد والتدريب والمال لزيادة عدد تلك الأصوات.
ختاماً..
ستبقى الجزيرة خنجراً في خاصرة كل مستبد لأن الشعوب تحترم من يحترم عقولها ولن تنطلي عليها مكائد المتآمرين، كما تعي تلك الشعوب جيداً أنهم ليسوا متواجدين في جدول أولويات هؤلاء الطغاة الذين لا يريدون إلا تخليد ذكراهم بأي طريقة وإن كانت بعرض سراوايلهم وسراويل أجدادهم في المتاحف !!




