شرف الخصومة بين خُلُق الفرسان وفجور الخصام

أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

في زمن تتسارع فيه الكلمات، وتشتد فيه الخصومات، وتُستباح فيه القيم تحت ضغط الانفعال، يبرز الحديث عن شرف الخصومة بوصفه قيمة أخلاقية عميقة، لا تقل أهمية عن شرف النصر نفسه. وليس من قبيل المصادفة أن تختار وزارة الثقافة موضوع الخصومة في موسمها الشعري النبطي، فالشعر – خاصة النبطي – كان دائمًا مرآة الأخلاق العربية، ولسان الفرسان في السلم والخصام.

لقد ميّز القرآن الكريم بوضوح بين الخصومة المشروعة، التي تقوم على الحق، وبين فجور الخصومة الذي يُعدّ علامةً من علامات النفاق. يقول النبي ﷺ:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر»
وهنا لا يُدان أصل الخصومة، بل يُدان الانفلات الأخلاقي فيها.
فـ”الفجور في الخصومة” ليس مجرّد حدّة في الكلام، بل هو انحراف عن الحق، واستباحة للكذب، وتشويه للنيات، واتهام للذمم، وسعي لإسقاط الخصم لا لإحقاق الحق. وهو سلوك يكشف ضعف النفس، لا قوّتها، وهشاشة القيم، لا صلابتها.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذا النوع من البشر حين قال:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا… وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
فالألدّ في الخصومة ليس قوي الحجة، بل شديد المكر، ملتوي المسلك، يخاصم لا طلبًا للحق، بل طلبًا للغلبة بأي ثمن.
في المقابل، عرفت الثقافة العربية – والإسلامية خاصة – نموذج الفارس في الخصومة. الفارس الذي يخاصم بوضوح، ويختلف بشرف، ويقف عند حدود الحق حتى وهو في أشد لحظات الخلاف. فالفرسان الحقيقيون لا يكذبون ليكسبوا، ولا يبهتون ليغلبوا، ولا يطعنون في الأعراض ليبرّروا مواقفهم.
كان العربي الأصيل يقول: “إن خاصمتُك خاصمتك بشرف، وإن قاتلتك قاتلتك بوجهٍ مكشوف”. وهذا المعنى نفسه هو ما أكّده الإسلام حين جعل العدل قيمة واجبة حتى مع الخصم:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
الفرق بين الفارس ومن يفجر بالخصومة، أن الأول يرى الخصومة اختبارًا للأخلاق، بينما يراها الثاني ساحة لتفريغ الأحقاد. الفارس يحفظ لسانه، ويزن كلمته، ويعرف متى يصمت، أما المفجِر في الخصومة فيطلق لسانه بلا وازع، ويعتبر الإساءة شجاعة، والبهتان ذكاء.
ولهذا كان الشعر – خصوصًا النبطي – مدرسة أخلاق بقدر ما هو فن. فقد مجّد الشعراء أولئك الذين إذا اختلفوا بقوا كبارًا، وإذا خاصموا ظلّوا أنقياء، لا تُسقطهم الخصومة من مقامهم، ولا تُسقِط غيرهم من إنسانيتهم.
إن إحياء الحديث عن شرف الخصومة اليوم ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة أخلاقية. ففي زمن كثرت فيه الخصومات، وقلّ فيه الفرسان، نحتاج إلى تذكير أنفسنا بأن القوة الحقيقية ليست في سحق الخصم، بل في الانتصار على النفس، وبأن الفجور في الخصومة ليس حنكة، بل علامة ضعف، وأن شرف الخصومة هو آخر ما تبقّى من شرف الفروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى