صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في ضوء منظور توماس كارليل: القائد الذي يصنع لحظته

أ.د قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

يرى المفكّر الاسكتلندي توماس كارلايل أن التاريخ لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه الشخصيات العظيمة التي تمتلك وعي اللحظة، وقوة القرار، والاستعداد الأخلاقي لتحمّل المسؤولية في أزمنة التحوّل. فالقائد الحقيقي، في فلسفته، لا يستمد شرعيته من الوراثة أو الألقاب، بل من الكفاءة العقلية والقدرة العملية على إدارة الدولة عندما تُختبر. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله قراءةً تتجاوز منطق الامتداد العائلي، لتصل إلى جوهر القيادة كما فهمها كارلايل: قيادة تُثبت نفسها بالفعل لا بالاسم.

كثيرًا ما تُختزل القيادة السياسية في المجتمعات المستقرة في كونها استمرارًا تاريخيًا، غير أن منظور كارلايل يرفض هذا الاختزال؛ فالقائد يُعرَف عندما يقف التاريخ أمامه مباشرة ويطالبه بالفعل. وعندما تولّى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله مقاليد الحكم عام 2013، لم يكن التحدّي في استلام دولة مستقرة فحسب، بل في إدارة دولة دخلت مرحلة اختبار إقليمي ودولي معقّد، يتطلّب وعيًا استثنائيًا بالتوازنات، وقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.
وبحسب كارلايل، يتميّز “الرجل العظيم” بثلاث خصال: وضوح الرؤية، والحسم في القرار، والاستعداد لتحمّل كلفة القيادة. وهذه الخصائص تجلّت بوضوح في أسلوب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، الذي لم يتكئ على إرث والده أو جده بوصفه ضمانة سياسية، بل قدّم نفسه منذ اللحظة الأولى قائدًا صاحب مشروع، يتعامل مع الدولة بعقل استراتيجي هادئ، وبقدرة على التخطيط بعيد المدى، بعيدًا عن الانفعال أو الشعبوية.
وقد شكّلت أزمة الحصار عام 2017 الاختبار العملي الأوضح لهذا النمط القيادي. ففي تلك اللحظة، واجهت الدولة تحدّيًا يمسّ سيادتها ووحدتها واقتصادها. وهنا برزت قيادة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله قيادةً فاعلة لا ردة فعل إذ أعاد ترتيب الأولويات الوطنية، وعزّز الاكتفاء الذاتي، وفعّل الدبلوماسية الدولية، وحافظ في الوقت نفسه على تماسك الجبهة الداخلية. ووفق منطق كارلايل، فإن القائد العظيم هو من يصنع النظام من قلب الفوضى، لا من ينتظر حلولًا جاهزة.
ويؤكد كارلايل كذلك أن القائد الحقيقي لا تُقيّده المؤسسات بقدر ما يعيد توجيهها ويمنحها روحًا ومعنى. وقد تجلّى ذلك في المسار الذي انتهجه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله في تعزيز الحوكمة، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان والتعليم، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الحداثة والهوية الوطنية. فالدولة في عهده لم تتحوّل إلى جهاز إداري جامد، بل إلى كيان مرن قادر على التكيّف مع المتغيّرات.
وفي السياسة الخارجية، يلتقي أداء الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله مع رؤية كارلايل للقيادة الأخلاقية؛ إذ يرى أن القائد لا يُقاس فقط بحماية المصالح، بل بقدرته على منح السياسة بُعدًا قيميًا. وقد حافظت قطر في عهده على خطاب متّزن يقوم على احترام القانون الدولي، وتفضيل الحوار، ودعم الوساطة، ما منح الدولة وزنًا سياسيًا يفوق حجمها الجغرافي.
ومن المهم الإشارة إلى أن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله لم يتعامل مع كونه نجل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مدّ الله في عمره بوصفه مظلّة جاهزة، بل بوصفه مسؤولية تاريخية مضاعفة. فقد نجح في بناء شخصية قيادية مستقلة، لها أسلوبها وقراراتها، مع وفاء كامل للاستمرارية التي أرساها الأمير الوالد، مدّ الله في عمره.
ولا تكتمل القراءة الكارليلية دون الإشارة إلى أن نظرية “الرجل العظيم” انطبقت تاريخيًا على قادة دخلوا لحظات التحوّل وهم في عمر الشباب. ففي التاريخ القديم، يُعدّ الإسكندر المقدوني مثالًا لقائد شاب امتلك رؤية وجرأة قرار غيّرت مسار عصره. وفي السياق المعاصر
وفي الإطار ذاته، يندرج نموذج الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله بوصفه قائدًا شابًا أثبت أن الشباب ليس عامل نقص، بل حالة عقلية تتجلّى في الجرأة الواعية، والاتزان، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وهكذا، يمكن القول إن الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله يمثّل، في ميزان توماس كارلايل، نموذج القائد الذي يصنع شرعيته من كفاءته، ويثبت أهليته بالفعل لا بالوراثة. وبهذا، لا تبدو القيادة في قطر مجرّد امتداد تاريخي، بل تجربة حيّة تؤكد أن الدول لا تستمر بالأسماء، بل بالقادة الذين يعرفون كيف يواجهون التاريخ عندما يقف أمامهم مباشرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى