إغلاق الأقصى في شهره الثاني: من الأبواب الموصدة إلى “المساواة المزيفة”- علي ابراهيم 

يدخل إغلاق المسجد الأقصى المبارك شهره الثاني، في إمعانٍ واضح من قبل الاحتلال لمنع الفلسطينيين من الاقتراب من مسجدهم أو أداء الصلوات أمام أبوابه وفي أزقة البلدة القديمة. هذا الإغلاق المستمر ليس مجرد إجراء عقابي عابر في ظروف الحرب الجارية، بل هو خطوة مدروسة وحلقة من سلسلة اعتداءات ممنهجة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد، وهو ما يُشير إلى تحضر الاحتلال لفرضالمزيد من العدوان على المسجد ومكوناته البشرية، ولا شك بأن هذا العدوان وما سيأتي بعده، يُدلّل بأن الأقصى يقف اليوم أمام واحدة من أخطر محطاته التاريخية، التي تُستهدف فيها هويته ووجوده.

 

مفارقة التمييز: الأقصى موصد والبراق مفتوح للتدنيس

تتجلى المفارقة الصارخة حول إغلاق المسجد الأقصى في قضيتين، الأولى في التفاعل الغربي المباشر مع إلغاء قداديس الفصح في كنيسة القيامة، وضغطهم بشكلٍ مباشر للسماح بالقيام بهذه القداديس والاحتفالات، وهي مقاربة ضرورية في سياق استقراء ردود الفعل الرسمية تجاه الإغلاق. أما الثاني تجلت مع حلول “عيد الفصح” العبري، ففي الوقت الذي أُغلق فيه المسجد الأقصى بالقوة وحُرم الفلسطينيون من إحياء ليالي القدر فيه وأداء صلوات الجمعة وعيد الفطر، ومع حلول هذا العيد أعلنت سلطات الاحتلال السماح لنحو 50 حاخاماً بأداء طقوس “بركة الكهنة” في ساحة حائط البراق المحتل.

وهذا الاستثناء لا يُمكن قراءته كحدث عابر، بل يحمل دلالات عميقة تهدف لإعادة تشكيل هوية القدس، وتتلخص في مضي الاحتلال قدمًا في التهويد المكاني، من خلال استغلال الأزمات لتثبيت السيطرة المطلقة على حائط البراق كجزء لا يتجزأ من السور الغربي للمسجد الأقصى، في استعراض لفائض القوة يرسخ أن المتحكم الأوحد بهذا الحيز هو الاحتلال. إضافةً إلى ما يحمله القرار من تماهٍ مباشر مع المنظمات المتطرفة، حيث يتعامل الاحتلال مع الأعياد اليهودية كمحطات لتكثيف الحضور البشري والطقسي اليهودي.

 

“قربان الفصح”.. تصعيد تاريخي ومساعٍ لـ”التأسيس المعنوي” للمعبد

ورغم أن “عيد الفصح” العبري يشارف على الانتهاء يوم الأربعاء القادم، إلا أن الأيام الماضية شهدت تطوراً بالغ الخطورة يجسد ذروة العدوان على المسجد الأقصى منذ بداية الإغلاق، فقد سجل هذا العيد أكبر عددٍ من محاولات إدخال “القربان الحيواني” إلى المسجد الأقصى منذ احتلاله عام 1967، ووفقاً لما وثقته منصات “منظمات المعبد” المتطرفة بالصوت والصورة، نُفذت سبع محاولات فعلية لتهريب القرابين، تمكن المستوطنون في اثنتين منها من الوصول بالقربان إلى تخوم البلدة القديمة قبل أن تعترضهم شرطة الاحتلال. ولإدراك حجم هذا التصعيد، يكفي أن نُقارن هذه الأرقام بالسنوات السابقة؛ ففي “عيد الفصح” لعام 2024 سُجلت ثلاث محاولات، وتكرر الرقم ذاته في فصح 2025.

 

المحكمة العليا وإتمام مسرحية “القرار الجديد”

وما يحول هذه التحذيرات من مخاوف مستقبلية إلى واقع ملموس، هو انكشاف مساعي الاحتلال الحثيثة لترجمة الإغلاق إلى فرصة لإنهاء الحصرية الإسلامية. فقد كشفت تسريبات إعلامية عبرية مؤخراً عن توافق بين وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير والشرطة على إعادة فتح المسجد، ولكن بشروط خبيثة تقضي بإدخال “مجموعات صغيرة من المسلمين واليهود” بشكلٍ متزامن. وما يؤكد خطورة هذا المشهد، تدخل مستويات الاحتلال القضائية لتوفير الغطاء القانوني والسياسي.

فبحسب وثيقة صادرة عن “المحكمة العليا” التابعة للاحتلال بتاريخ 5 نيسان/أبريل 2026، نظرت المحكمة في التماس عاجل قدمته منظمات استيطانية تطالب بإلغاء “المنع الشامل” لاقتحاماتالمستوطنين، والذي فُرض منذ اندلاع الحرب مع إيران أواخر شباط/فبراير الماضي. اللافت في الوثيقة هو رد ممثلي نيابة الاحتلال والشرطة، حيث أبلغوا المحكمة بأن “قراراً جديداً” سيصدر قريبًا بهذا الشأن، ما دفع المحكمة لإمهالهم حتى صباح السادس من نيسان لتحديث ملف القضية بهذا التوجه المنتظر، وهو قرار لم يصدر تفاصيله حتى اللحظة، ولكن من المرجح أن يكون القرار مطابقًا للتصريحات التي قالها بن غفير وأشرنا إليها آنفًا.

وفي ظل هذه المعطيات، نحن هنا أمام مسرحية متكاملة الأدوار؛ يُستخدم فيها الالتماس كرافعة للمصادقة على الاتفاق الأمني المذكور آنفاً بين بن غفير والشرطة، ما يعجل فتح الأبواب أمام المقتحمين تحت غطاء “القرارات القضائية المحدثة”، ولا شك بأنإعادة فتح الأقصى بشروط الكيان، ومساواة أصحاب الحق الأصيل بالمستوطنين في آليات الدخول، ليس سوى التطبيق العملي والعلني لشرعنة التقسيم الزماني والمكاني. وتسعى مؤسسات الاحتلال عبر هذه الخطوة المتقدمة إلى تحويل الأقصى تدريجياً إلى “مقدس مشترك” ذي هوية ثنائية؛ متخذة من مبدأ “المساواة” المزعومة ذريعة لتمديد أوقات الاقتحام لاحقاً، تمهيداً لنسف الوضع التاريخي والقانوني القائم بالكامل.

 

في ظل الانشغال الإقليمي والدولي بالأزمات، تسابق حكومة اليمين المتطرف الزمن لفرض وقائع تهويدية غير مسبوقة. ورغم التفاعل الشعبي الواضح، إلا أن الحراك العربي والإسلامي لا يزال أسير المنصات الرقمية ولم يرتقِ لمستوى الخطر الميداني المحدق بالمسجد.

ختاماً، إن استمرار التضييق ومساعي فرض “الشراكة” بقوة القضاء وحراب الشرطة هو جرس إنذار أخير يسبق كارثة محققة. المسجد يقف اليوم على مفترق طرق: فإما أن تُكسر شوكة هذه المخططات، وإما أن تستيقظ الأمة على واقع أليم لا يعود فيه الأقصى كما كان.

4

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى