مرّت الدولة السعودية منذ تأسيسها بأربع مراحل في علاقتها بالإسلام، وذلك لبسط سيطرتها على الشعب أولا والإستحواذ على مقدراته وثرواته ثانياً. فأخذت من مقولة مكياڤيلي منهجا “إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس”.
المرحلة الأولى: كانت إرتماء الملك عبدالعزيز في أحضان المؤسسة الدينية لكسب ثقتهم ولعلمه بأنه السبيل الوحيد لبسط سيطرته على مجتمع محافظ ومتمسك بالعقيدة. فنجح في إقناعهم بأن الله أرسله لإعادة الدين الصحيح وإنهاء البدع التي تفشت في كثير من أرجاء شبه الجزيرة العربية آن ذاك، فكان يرجع لهم في كل ما يخص أمور الدولة.
كانت تلك فترة “شهر العسل” التي كادت تنتهي في عهد الملك سعود وأتى الملك فيصل فأعادها حتى وفاته.
المرحلة الثانية: بدأت ملامحها تتضح في عهد الملك خالد و سار على نهجه شقيقه الملك فهد من بعده، فقاموا بتحييد المؤسسة الدينية تدريجياً في كل ما يتعلق بشؤون الدولة والإكتفاء بإستخدامها فقط في ما يخدم أهدافهم. كان الملك فهد وبحكم عهده الذي طال أكثر من عشرين عاماً يعي مدى تغلغل المؤسسة الدينية المتمثّلة في الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ إبن عثيمين آن ذاك في الأمور الحياتية اليومية في المجتمع السعودي، فكان يبدي لهم كل الإحترام والتقدير ويسمع لآرائهم دون تنفيذ أيّاً منها في الكثير من الأحيان.
المرحلة الثالثة: بدأت في عهد الملك عبدالله وتحديداً بعد وفاة الأمير نايف ذو السياسة المتزنة. في بداية هذه المرحلة سُمِح بعلو أصوات منتقدي المؤسسة الدينية وباتت هذه الخطوة تكسب رواجاً واسعاً في أوساط الشباب الذين ينادون بالإنفتاح. ومثّلت هذه المرحلة بداية كسر شوكة المؤسسة الدينية.
المرحلة الرابعة: بعد أن وصل الحكم إلى آخر أبناء المؤسس، أُملي على الملك سلمان المعروف عند الغرب بتهوره شروطاً جديدة لإستمرارية حكم عائلته، وبحكم إنشغالاته وأولوياته الدنيوية، أوكل المهمة لإبنه محمد بن سلمان. نجح الأمير المغمور بقلب الطاولة على المؤسسة الدينية والتخلص من كل من سار على النهج الذي تسلّل به آل سعود إلى الحكم. وتحت مضلة الإسلام الوسطي، تم إعتقال كل رجال الدين الذين رفضوا دعم أفكاره التي تدعوا للتحرر والإنفتاح تحت عباءة الدين، بل أنه لم يسمح لهم بأن ياثروا الصمت وتعامل معهم بجبروت السلطان القائم على مبدأ “معي أو ضدي”. حيث قام بعدها بتلفيق قضايا لهم تمس أمن الدولة وتهم الإرهاب بالتزامن مع إستبدالهم بمشايخ الدين الوسطي الجديد الذين يتلاءمون مع توجهات هذه المرحلة.
لاقى إسلام محمد بن سلمان الجديد إستحساناً واسعاً بين أوساط الشباب المكبوت والمحمل بتراكمات سنين عديدة في نفوسهم على المؤسسة الدينية في البلاد.
الخطوة المقبلة كما أراها وبعد نجاح محمد بن سلمان بإثارة اللغط في ما يخص قضية القدس في أكثر المجتمعات تمسكاً بالعقيدة و جعلهم يلهون في ملذات الحياة دون الإكتراث لقضايا الأمة، هي إلهاء الشارع السعودي عن صفقة القرن التي ستتنصل إسرائيل بعدم قبولها لاحقاً لتبدأ صفحة جديدة منطلقة من حدودها التي تم الموافقة عليها في الصفقة المزعومة بالإستيلاء على أراضي عربية جديدة لقيام دولتهم من النيل إلى الفرات.
عندها ستُفتح صفحة جديدة من الإبتزاز الأمريكي لمن يحكم السعودية وعلى الملك آن ذاك تقديم تنازلات أكثر و الإنصياع لأمريكا ولن تتضارب هذه التنازلات مع نهج عائلة آل سعود القائم على القاعدة الميكياڤيلية “الغاية تبرر الوسيلة”!




