أ.د. قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
تقف إيران اليوم أمام استحقاقات تاريخية كبرى، حيث تشكل تركيبتها العرقية “فسيفساء” معقدة ضاربة في القدم. وبينما يحاول النظام الحاكم فرض صبغة “مركزية” أحادية، تبرز الهويات القومية ككتل تاريخية صلبة ترفض الذوبان، ولكل منها حكاية مع المجد وحكاية مع الاضطهاد.
أولاً: المكونات القومية.. الجذور والسمات التاريخية
• الأذريون (الأتراك): يتركزون في الشمال الغربي (أذربيجان الإيرانية). تاريخياً، هم ورثة إمبراطوريات كبرى (كالصفوية والقاجارية) التي حكمت إيران لقرون. يتميزون بثقلهم الاقتصادي في “بازار” طهران، لكنهم يعانون من منع تدريس لغتهم التركية الأذرية وتهميش هويتهم الثقافية لصالح القومية الفارسية، مما ولد لديهم حراكاً يطالب بحقوق لغوية وإدارية واسعة.
• الأكراد: من أقدم الشعوب الآرية القاطنة في جبال زاجروس. يتميز التاريخ الكردي بروح التمرد والنضال من أجل الحكم الذاتي، ولعل “جمهورية مهاباد” (1946) كانت أبرز تجليات هذا الطموح. هم “حراس الجبال” الذين دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة آلة الإعدام السياسية التي تستهدف نخبهم وشبابهم بتهم “المحاربة” والانفصال.
• العرب (الأحواز): يقطنون إقليم خوزستان (عربستان تاريخياً). هم أصحاب الأرض التي تمد إيران بـ 80% من ثروتها النفطية. تاريخياً، سقطت إمارتهم الكعبية عام 1925، ومنذ ذلك الحين تعرضوا لمحاولات طمس “الهوية العربية” وتغيير أسماء مدنهم. يعيش العرب اليوم مفارقة “الفقر المدقع فوق آبار الذهب”، مع اضطهاد يمنعهم من أبسط حقوق المواطنة والتعليم بلغتهم الأم.
• البلوش: يقطنون جنوب شرق إيران (سيستان وبلوشستان). يتميزون ببيئة قبلية ولغة خاصة وتاريخ من الاستقلالية. يعانون من “اضطهاد مزدوج” (عرقي ومذهبي)، مما جعل إقليمهم الأكثر فقراً وافتقاراً للبنى التحتية، فضلاً عن حملات القمع الأمني المستمرة ضدهم.
ثانياً: من الزرادشتية والمجوس إلى واقع الإقصاء
تاريخياً، كانت الزرادشتية هي الدين الرسمي للإمبراطوريات الفارسية القديمة (الأخمينية والساسانية). كان “المجوس” (رجال الدين الزرادشتيين) يتمتعون بنفوذ هائل ورفاهية اقتصادية واجتماعية كطبقة عليا تدير شؤون الدولة والمال.
أما اليوم، فقد انحسر هذا النفوذ ليصبحوا أقلية دينية صغيرة. المفارقة هنا هي أن النظام الحالي، رغم ادعائه العداء للنزعات “المجوسية” القومية القديمة، إلا أنه يمارس “مركزية فارسية” متشددة تقصي القوميات الأخرى وتصادر حقوقها، محولاً الرفاهية التاريخية التي كانت تتمتع بها النخب في المركز إلى حرمان ممنهج للأطراف العرقية.
ثالثاً: التمثيل السياسي.. أرقام صورية لإخفاء الهيمنة
إذا نظرنا إلى “مجلس الشورى الإسلامي”، نجد أن التمثيل لا يعكس الثقل الديموغرافي الحقيقي، بل يكرس تبعية الأطراف للمركز:
1. القومية الفارسية: تهيمن على كافة المقاعد السيادية، والوزارات، والمناصب القيادية في الحرس الثوري، بنسب تتجاوز حجمها السكاني الفعلي بكثير.
2. الأقليات القومية: تمثيلهم في المجلس غالباً ما يكون “شكلياً”؛ حيث تخضع ترشيحاتهم لفلترة صارمة من “مجلس صيانة الدستور” الذي يستبعد أي صوت يطالب بحقوق قومية أو لغوية، ويشترط الولاء المطلق لنظرية “الولي الفقيه”.
3. الأقليات الدينية: يخصص الدستور مقاعد ثابتة (مقعد للأرمن، مقعد لليهود، مقعد للزرادشتيين)، وهي نسب ضئيلة جداً (أقل من 2% من إجمالي المقاعد) تهدف لتجميل صورة النظام أمام المجتمع الدولي، بينما تفتقر هذه المقاعد لأي قدرة على التأثير في السياسات الكلية للدولة.
رابعاً: اضطهاد “الأطراف” وحتمية التغيير
لقد مارس النظام سياسة “التفريس” القسري، وحرم القوميات من حق التحدث بلغتهم في الدوائر الرسمية، وصادر أراضيهم بدعوى المشاريع القومية، مما أدى إلى تغييرات ديموغرافية قسرية.
إن القوميات في إيران لم تكن يوماً “ضعفاً” في أصلها، بل هي مصدر ثراء تاريخي وتنوع حضاري. ولكن، حينما يحول النظام هذا التنوع إلى مادة للاضطهاد، فإنه يحول “الأطراف” إلى قنابل موقوتة ستهدم أركان المركز. إن استعادة هذه الشعوب لحقوقها التاريخية والسياسية هي السبيل الوحيد لإنهاء حقبة من الظلام الذي استمر طويلاً تحت ستار الأيديولوجيا المركزية المتشددة.




