جامعة العلوم العسكرية والتقنية: استثمار قطري في أمن المستقبل

أ. د. قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة في مفهوم الأمن، حيث لم تعد القوة التقليدية وحدها كافية لمواجهة التحديات المتنامية، بل أصبح العلم والتقنية عنصرين أساسيين في بناء منظومات قادرة على التكيف مع المتغيرات. وفي هذا السياق، تتجه العديد من الدول إلى الاستثمار في التعليم المتخصص بوصفه ركيزة رئيسية للأمن والاستقرار على المدى الطويل.

من هنا، يمكن قراءة التوجه الذي يأتي في إطار رؤية صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، نحو دعم التعليم النوعي، ولا سيما في مجالات العلوم العسكرية والتقنية، باعتباره تعبيرًا عن فهم عميق لطبيعة المرحلة المقبلة. فسمو الأمير يؤكد في أكثر من مناسبة أن بناء الإنسان هو الأساس، وأن الاستثمار في المعرفة هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الدولة وقدرتها على حماية مكتسباتها.
إن التفكير في تأسيس جامعة متخصصة في العلوم العسكرية والتقنية يعكس وعيًا متقدمًا بأن تحديات المستقبل لن تكون تقليدية، وأن إعداد الكوادر المؤهلة يتطلب بيئة أكاديمية تجمع بين الانضباط العسكري، والمعرفة العلمية، والاطلاع المستمر على أحدث التطورات التقنية. فالأمن الحديث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بملفات مثل الأمن السيبراني، والأنظمة الذكية، وإدارة الأزمات، وهي مجالات تحتاج إلى تأهيل علمي دقيق ومتواصل.
كما ينسجم هذا التوجه مع رؤية قطر الوطنية، التي جعلت التعليم ركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة. فالجامعة المتخصصة لا تقتصر أهميتها على الجانب العسكري فحسب، بل تسهم أيضًا في ترسيخ ثقافة البحث والتطوير، وتعزيز التكامل بين المؤسسات التعليمية والأمنية، بما ينعكس إيجابًا على منظومة العمل الوطني ككل.
ومن زاوية أخرى، فإن الجمع بين العلوم العسكرية والتقنية يفتح المجال أمام إعداد قيادات شابة تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي، والتعامل مع المتغيرات بمرونة، واتخاذ القرار في بيئات معقدة. وهو ما يعزز الجاهزية الوطنية، ويمنح الدولة قدرة أكبر على الاستجابة للتحديات، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، في عالم سريع التغير.
ولا يمكن إغفال البعد المعنوي لمثل هذا المشروع، الذي يؤكد أن قطر تنظر إلى الأمن بوصفه مشروع معرفة طويل الأمد، لا مجرد إجراءات آنية أو استجابات مؤقتة. فالدول التي تستثمر في التعليم المتخصص اليوم، هي الأقدر على حماية استقرارها وصيانة سيادتها غدًا.
خلاصة القول، إن دعم وتطوير التعليم العسكري والتقني يعكس رؤية متوازنة تجمع بين التخطيط الهادئ، والاستثمار في الإنسان، والوعي بطبيعة التحولات العالمية. وهي رسالة واضحة مفادها أن أمن المستقبل يبدأ من قاعات الدراسة، بقدر ما يبدأ من الميدان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى