بقلم: أ.د. قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
وصلتني رسالة من أحد الأعزاء إلى قلبي، ومن الرجال الذين عرفت فيهم الشرف العسكري والغيرة على الوطن، سيادة اللواء الركن ع. القيسي، أحد قادة الجيش العراقي الباسل. كان متألمًا مما يُكتب ويُنشر عن بغداد، المدينة التي أفنى رجالٌ من أمثاله أعمارهم دفاعًا عنها. فقلت له: سيادة اللواء… إن بغداد لا تحتاج إلى من يصنع لها مجدًا، بل إلى من يذكّر العالم بمجدها.
وردًا على ما نُشر وتداول عن بغداد، أقول: لم تكن بغداد في تاريخها فارسية، بل كانت وستبقى عربيةً أصيلة، عاصمةً للحضارة العربية الإسلامية، ومنارةً للعلم يوم كانت أمم كثيرة تبحث عن أول طريق المعرفة.
إن اختزال بغداد في أزمات الحاضر ظلمٌ للتاريخ. فبغداد ليست حكومة، ولا حزبًا، ولا مرحلةً سياسية، بل هي بغداد الرشيد، وبيت الحكمة، والمستنصرية، وبغداد الإمام أبي حنيفة، والشيخ عبد القادر الكيلاني، وبغداد الأولياء والعارفين، والشعراء والعلماء.
نعم… العراق اليوم يواجه تحديات كبيرة، والفساد أرهق الدولة، والخدمات لا ترقى إلى ما يستحقه المواطن، لكن الحكومات ليست الوطن، والفساد ليس هوية العراقيين، والسياسيون لا يمثلون تاريخ بغداد.
لقد اجتاح المغول بغداد، وأحرقوا مكتباتها، وظن الناس أنها انتهت، لكنها نهضت من جديد، لأن المدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت.
إن بغداد هي مدينة النخوة، والشهامة، والكرم، والعزة، والكرامة، والعلم، والثقافة، والعشق. وهي أكبر من أن تُقاس بعدد المولات أو المطاعم أو المقاهي، لأنها صنعت مجدها بالمدارس والجامعات والمكتبات والعلماء.
العراقيون لا يطلبون المستحيل، بل يريدون دولةً عادلة، ومدرسةً تربي أبناءهم، ومستشفىً يعالج مرضاهم، وقانونًا يحمي حقوقهم، وإدارةً تصون ثروات وطنهم.
ستبقى بغداد، رغم الجراح، قلب العروبة النابض، ومدينة الحضارة، ومنارة الفكر، وعاصمةً لا تُهزم مهما اشتدت عليها المحن.
بغداد مريضة اليوم… لكنها لم تمت، ولن تموت، لأن المدن التي صنعت التاريخ لا يسقطها فساد العابرين، بل يخلّدها وفاء أبنائها .



