أ.د قيس عبدالعزيز الدوري – باحث وكاتب ومستشار اكاديمي
في أروقة السياسة الدولية، ثمة فارق جوهري ودقيق بين “الدولة ذات الجغرافيا السياسية الرزينة” و**”النظام الذي يقتات على صناعة الأزمات”**. فالأولى تبني نفوذها عبر الاستقرار والتحالفات المتزنة، بينما يلجأ الثاني إلى افتعال الذرائع الواهية والتنقيب عن الخلافات لتبرير توسّعٍ عاجز أو لتصدير أزماته الداخلية إلى الجوار.
وما نشهده اليوم من تصعيد إيراني اتجاه دولة قطر—عبر تسويق روايات متناقضة واتهامات مرسلة حول ملفات غامضة كمسألة “الطيارين”—ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طال طرازها من السلوك الإقليمي غير المتزن.
ذرائع متهالكة وجغرافيا ملغومة
تستند الذريعة الإيرانية التقليدية في استهداف دول الخليج العربي إلى شماعة “القواعد والمصالح الأمريكية”، وهي حجة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق الجيوسياسي. فالواقع الرقمي والواقعي يفرض حقيقة لا يمكن القفز عليها:
التوازن مقابل الاستفزاز: تمارس دول المنطقة حظرًا وسلوكًا استراتيجيًا يهدف إلى حماية أمنها القومي في إقليم مضطرب، بينما تتحول الموانئ والشواطئ الإيرانية نفسها إلى نقاط ارتكاز لسفن وأساطيل وطائرات تتحدى الملاحة الدولية وتفرض واقعًا من التوتر المستمر.
استهداف الوسيط العقلاني: إن محاولة افتعال أزمة مع دولة كقطر—والتي يُشهَد لها عالميًا بدورها كفاعل رئيسي في تحقيق الأمن والسلم الدوليين وباعها الطويل في وساطات حل نزاعات الإقليم—تعكس تخبطًا استراتيجيًا صريحًا. عندما تهاجم المعتدل، فأنت لا تدافع عن أمنك، بل تعلن بوضوح رغبتك في تقويض أسس الاستقرار بأكملها.
ذاكرة التاريخ: ملف الأسرى العراقيين
إن هذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمنهجية تعتمد “التسويف والإبطاء” كأداة للضغط السياسي. ولعل التاريخ القريب يقدم الشاهد الأكثر قسوة:
أكثر من 11 ألف أسيراً عراقياً ظلوا محتجزين لسنوات طويلة عقبت حرباً انتهت منذ عقود، في خرق صارخ للقوانين الدولية والأعراف الإنسانية، ليتحول الملف الإنساني في المنظور الإيراني إلى مجرد ورقة للمساومة والابتزاز.
هذه المنهجية لا تعبر عن قوة استراتيجية قدر ما تعبر عن فقر في أدوات الدولة الحديثة، واستبدال للعمل الدبلوماسي المؤسسي بأساليب الاحتجاز والاتهام المتبادل.
العدالة الإلهية وحتمية السقوط التاريخي
إذا كانت السياسة تُدار في المدى القصير بالمناورات والقوة الغاشمة، فإن المدى الطويل للتاريخ خاضع لقوانين لا تتبدل. لقد كتب الله على نفسه العدل، وجعل الظلم مجرد انتصار موهق ومؤقت.
1. انكشاف القوة الخشنة: القوة القائمة على الترهيب وافتعال الذرائع تحمل في أحشائها بذور ضعفها؛ فهي تستهلك رصيدها السياسي والأخلاقي حتى تقف عزلاء أمام استحقاقات التاريخ.
2. سقوط الرهانات: لا يمكن لنظام أن يستمر في إرهاب جواره وإشعال حواف أزماته دون أن يكتوي بآثارها. السلوك العدائي يولد عُزلة متراكمة، والعزلة هي المقدمة الطبيعية للتآكل من الداخل.
إن الحقيقة الجيوسياسية التي يجب أن تدركها طهران هي أن دماء الاستقرار لا تُسفك دون ثمن، وأن منطق القوة لن ينتصر يوماً على منطق الحق والاستقرار. فالظلم، مهما تطاول سقف حجيجه ومهما اختلق من أسباب، هو خيار مأزوم… ولم ولن يدوم.



