منذ فورة الذكاء الصناعي وما يقدمه من إمكانيات مذهلة، يدور بخلدي الكثير من الأسئلة، ومن أبرزها كم ستعطي هذه الطفرة من أدوات تقنية تسمح لمبتكريها عامةً، وللشركات الكبرى على وجه الخصوص، لفرض المزيد من القيود على المستخدمين، وخاصة أن دمج تقنيات الذكاء الصناعي يتصاعد في مختلف المنصات التي نستخدمها، ابتداءً من البرامج الحاسوبية المكتبية، وصولًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، ولم يكن التطور محصورًا بمنصة تسألها وتُجيبك فقط، وقد كنت كحال الكثيرين منبهرًا جدًا، ولكن التوجس كان قويًا بالمقدار نفسه.
وقد عاد هذا القلق مع العدوان الجديد على قطاع غزة، نعم لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي مكانًا يرحب ابتداءً بأي تضامن مع فلسطين والقدس، والقضايا المرتبطة بهما، بل تمضي سياسة خنق المحتوى المتضامن مع فلسطين بشكلٍ مستمر، ولا أعرف أحدًا ممن يتضامن بمنشور أو صورة في هذه المنصات، إلا وحساباته مقيدة، أو فقد بعضها نتيجة انحياز الشركات التي تدير هذه المنصات وفي مقدمتها شركة ميتا المالكة لفيس بوك وإنستغرام، ولكن الحظر هذه المرة أخطر بكثير وشمل أكثر من ذلك.
كان الحظر سابقًا يتم داخل المنصات الاجتماعية، ولكنه في هذه المرة انتقل إلى ساحة أوسع، بعد حظر الشركات الكبرى العملاقة لحسابات المقاومة والناطقين بها، بل وصل الأمر إلى حظر شركة أندرويد المملوكة لألفا بيت (صاحبة غوغل) الوصول إلى قنوات المقاومة في تطبيق تلغرام، وهو ما دفع الأخير لدعوة مستخدميه تجاوز المنع عبر تحميل نسخة التطبيق من موقعه مباشرة، لأن النسخة المحملة من سوق التطبيقات الخاص بأندرويد (سوق بلاي) تحظر هذا الوصول.
وقد أظهرت هذه الخطوة حجم التحكم به، ومما يلفت النظر هنا أن العديد من منصات التواصل الاجتماعي حذفت العديد من الصفحات الفلسطينية الكبرى، على الرغم من أنها صفحات إخبارية، ويراعون كثيرًا المنشورات لألا تستفز “خوارزميات” هذه المنصات، ولكن الصادم هنا وبناء على استطلاع آراء العديد من الخبراء، تُشير بأن منصات التواصل الاجتماعي وظفت تقنيات الذكاء الصناعي لمراقبة المحتوى، وأن قدرتهم على المراقبة قد تطور بشكلٍ مخيف، فقد أصبحت هذه الخوارزميات تفهم المنشورات من سياقاتها، ولم تعد تنفع كثيرًا كتابة الكلمات مقطعة أو تمويه الصور وغيرها، بل يمكن أن تحد هذه المنصات من الوصول إلى حساب الناشط من خلال قراءة مجمل تفاعلاته ومنشوراته في المنصة.
نحن مهمون لهم لكي نعلن في منصاتهم، فلا يريدوننا أن نموت في منصاتهم رقميًا، ولكن لا مانع من الخنق ما لا يفضي للموت، وعبر ضغطة زر أو بعض الأسطر البرمجية، تتحكم هذه الغيلان التقنية بخياراتنا وما يمكننا أن نتابع، وهنا بيت القصيد، فلم يعد المنع عما يعده كل عربيّ حر حقًا، بل وصل التحكم إلى ما يمكننا أن نتابعه ونستقي منه المعلومات، ولا ندري هل يمكن أن يتطور الأمر أكثر فتحدد لنا غوغل و ميتا القنوات التي نشاهدها، فتحظر من أجهزتنا الجزيرة وأخواتها ممن ينقل الحقيقة، ولا تسمح لنا إلا بالـ cnn و الـ bbc وأضرابهما، فتكون الرواية التي تباركها الولايات المتحدة هي الرواية الوحيدة الصحيحة.
إن ما يجري حاليًا يصلح أن يكون جزءًا من رواية “ديستوبية” قادمة، تشبه ما كتبه جورج أورويل في روايته “1984”، ولكن هذه الرواية القادمة ستقع في نظامٍ عالمي يدّعي أنه الأكثر “ديموقراطية”، وأنه يحمي تلك الفئة الصغيرة “من ذويي الدماء الزرقاء”، منا نحن السُمر الغرقى بأوهام حضارية عمرها أكثر من ألف عام… يتجرع الفلسطينيون حمم العدوان على قطاع غزة، ولكننا نحن البعيدون سنكتوي بنار هذه التقنيات الحديثة أكثر فأكثر، نتفاعل في مساحات ضيقة جدًا، وبقوالب فرضوها علينا، وقد قالوا قديما “بأن الأخ الأكبر يراقبك” ولكننا سنقول بأن قوقل وميتا ومايكروسوفت تراقبنا، وتعرف مصالحنا أكثر منا..
وإلى ذلك الوقت، سنظل في هذه المنصات، فوق الاختناق، ودون الموت الرقميّ…




