الأستاذ الدكتور قيس عبد العزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
إن الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تملك السيادة، والمجتمعات التي تتعدد فيها مصادر القوة تظل مشاعاً للفوضى والتدخلات الخارجية حتى يقضي التاريخ بأحد أمرين: إما حسم يفرض هيبة القانون، أو تشظٍ ينتهي معه وجود الدولة.
يمر العراق اليوم بمنعطف هو الأعنف والأخطر في تاريخه المعاصر، حيث تتشابك خيوط الداخل المعقدة بأجندات الإقليم وحسابات القوى الكبرى. إن المهلة المحددة لحصر السلاح بيد الدولة والمواقف المتشنجة لبعض الفصائل يضعان البلاد على حافة صدام محتمل بين منطق الدولة واللادولة. وما جرى مؤخراً من تحركات وضغوط متبادلة لإدارة مواقف الفصائل وحثها على عدم التخلي عن سلاحها، بالتزامن مع الإصرار الحازم والدعم الصارم الذي تبديه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء ظاهرة الميليشيات والسلاح المنفلت كلياً عام 2026، يجعلنا كمؤرخين وباحثين نستدعي التاريخ الإنساني لفهم آليات هذه المواجهة وتوقع مآلاتها الشائكة.
وتاريخياً، لم تكن أزمات السلاح الموازي حكراً على العراق، بل شهد العالم نماذج دولية بارزة تفاعلت معها الحكومات عبر استراتيجيات تفاوتت بين الحسم والتسوية والدمج المؤسسي:
التجربة الأولى (جنوب إفريقيا): تجلت في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) عام 1994، حيث واجهت البلاد معضلة وجود أجنحة عسكرية مسلحة تابعة لحركات التحرر وقوات أمن تابعة للنظام القديم. وعولجت الأزمة عبر الدمج المؤسسي الشامل من خلال تشكيل قوات دفاع وطنية جديدة دمج فيها المقاتلون في هيكل احترافي واحد، مصحوباً بمسار سياسي وقضائي تمثل في لجنة الحقيقة والمصالحة لضمان الاستقرار.
التجربة الثانية (رواندا): كانت في رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، حيث واجهت الدولة خطر الميليشيات المسلحة والفصائل الهاربة عبر الحدود. اعتمدت الدولة على استراتيجية الحسم العسكري أولاً لفرض هيبتها وتأمين حدودها، تلا ذلك إنشاء اللجنة الوطنية للدمج والتسريح؛ فمن ألقى السلاح طوعاً تم تأهيله مهنياً ونفسياً ودمج في الجيش الوطني الجديد، بينما حُسم أمر الرافضين.
التجربة الثالثة (كولومبيا): نجحت التجربة مع حركة (فارك) عام 2016 بعد خمسة عقود من الحرب الأهلية، حيث أثمرت الرعاية الدولية للأمم المتحدة عن اتفاق تاريخي سلمت بموجبه الحركة سلاحها بالكامل في مناطق تجميع مراقبة، لتتحول الحركة المسلحة إلى حزب سياسي شرعي مقابل ضمانات أمنية واقتصادية وتنموية قدمتها الدولة للمقاتلين السابقين.
التجربة الرابعة (إيرلندا الشمالية): تجسدت عبر اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 لتفكيك الجيش الجمهوري الإيرلندي. واعتمدت المعالجة هناك على بناء الثقة والنزع التدريجي والمراقب عبر لجنة دولية مستقلة لنزع السلاح أشرفت على إتلاف المخازن بالتزامن مع إصلاح جهاز الشرطة وتفعيل الشراكة السياسية.
وتأسيسياً على هذه القراءة التاريخية، فإن الواقع العراقي الحالي يضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات متوقعة للمرحلة المقبلة:
- سيناريو الصدام العسكري المحدود (الحسم الجراحي): إذا انقضت المهلة القانونية وأصرت الفصائل على الرفض والتمرد، فإن المواجهة المسلحة ستصبح حتمية. وفي ظل الإصرار الأمريكي والدعم الدولي لحكومة بغداد، قد تلجأ الدولة إلى تنفيذ عمليات عسكرية خاطفة ومستهدفة لاستئصال مستودعات السلاح الحيوية وتحييد القيادات المتمردة، مما قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية مؤقتة في العاصمة وبعض المحافظات تنتهي لصالح فرض هيبة الدولة نتيجة التفوق التكنولوجي والاستخباري والغطاء الدولي الكثيف الداعم للقرار الوطني.
- سيناريو الانحناء للعاصفة (التسوية التكتيكية): حيث قد تجد الأطراف الداعمة للفصائل، تحت وطأة الضغوط القصوى والتهديدات المباشرة من إدارة الرئيس ترامب، أن الدخول في مواجهة شاملة سيؤدي إلى تدمير أوراقها بالكامل في العراق. وبناءً على ذلك، قد توحي للفصائل بالقبول بصيغة تسليم شكلية للأسلحة الثقيلة أو الاندماج الصوري مع الاحتفاظ بهياكل سرية، وهو سيناريو يؤجل الأزمة ولا يحلها جذرياً، لكنه يمنح الدولة العراقية نصراً سياسياً وسيادياً مرحلياً يجنب البلاد الصدام المباشر.
- سيناريو الفوضى الممتدة وحرب الاستنزاف: إذا اختارت الفصائل الرفض المطلق والتحصن في مناطق جغرافية وعمق ديموغرافي محدد مستغلة خطوط الإمداد اللوجستي المفتوحة عبر الحدود، مما يدخل البلاد في موجة استنزاف أمني واقتصادي تعطل مشاريع التنمية لعدة أشهر. إلا أن الكلفة العالية والأضرار الاقتصادية ستدفع المجتمع الدولي والتحالفات الإقليمية للتدخل بشكل أعمق وأكثر حزماً لمساندة الدولة.
وبناءً على الدروس التي يقدمها لنا التاريخ واستقراء لمعطيات الواقع الحالي، فإن نجاح عملية نزع السلاح وحصره بيد الدولة يتطلب استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد لا تقتصر على البعد العسكري الصرف، وتبدأ:
أولاً: إضفاء الشرعية القانونية الكاملة للمواجهة عبر المضي قدماً في القرارات الوطنية بمعاملة أي فصيل أو جماعة مسلحة ترفض الامتثال لمهلة تسليم السلاح ككيان خارج على القانون ومشمول بأحكام قانون مكافحة الإرهاب، مما يمنح الأجهزة الأمنية الغطاء الدستوري والشعبي الكامل لفرض النظام.
ثانياً: ضبط الحدود وقطع الشريان الخارجي من خلال تفعيل الاتفاقيات الأمنية واستخدام التقنيات الحديثة لرصد ومنع تدفق الأموال والسلاح والكوادر التدريبية من الخارج، لأن المواجهة تبدأ من تجفيف المنبع.
ثالثاً: تفكيك الهيكل الاقتصادي للميليشيات وتجفيف منابع تمويل هذه الجماعات من خلال إحكام سيطرة الدولة التامة على المنافذ الحدودية والموانئ ومكافحة المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل ورفع يدها عن المشاريع الاستثمارية وعائدات الدولة، إذ إن السلاح الذي يفقد تمويله المالي يتآكل ذاتياً وبسرعة.
رابعاً: استثمار الدعم الدولي الذكي عبر الاستفادة من إصرار إدارة ترامب والتحالفات الإقليمية لتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي المباشر للقوات المسلحة الرسمية من جيش وجهاز مكافحة الإرهاب وشرطة اتحادية، مع الحفاظ التام على الهوية والقيادة العراقية للمعركة لتجنب تحويل البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة.
خامساً: إطلاق برنامج وطني للدمج والتسريح الفردي عبر فتح باب التوبة والعودة للعناصر المغرر بهم أو الراغبين في ترك السلاح وإعادة تأهيلهم ودمجهم بصفة فردية وشخصية -وليس ككتل أو فصائل- في الحياة المدنية أو المؤسسات الأمنية، مما يساهم في شق صفوف هذه الجماعات وعزل القيادات العقائدية المرتبطة بالخارج.
إن حصر السلاح بيد الدولة هو
اما ان تنتصر الدولة ومؤسساتها الدستورية،
وإما أن تظل السيادة الوطنية رهينة في مهب التجاذبات الإقليمية.
والتاريخ يعلمنا دائماً أن منطق الدولة، مهما واجه من عثرات، هو الذي ينتصر في النهاية لأن الشعوب لا ترتضي الفوضى بديلاً عن الاستقرار.



