البعد النفسي والتاريخي للنزعة التوسعية والتعامل الاستراتيجي معها

أ.د قيس عبدالعزيز الدوري
باحث وكاتب ومستشار اكاديمي

    تعكس أدبيات التاريخ السياسي للشرق الأوسط ظاهرة جيوسياسية ثابتة، وهي النزعة التوسعية والهيمنة القسرية التي مارستها أنظمة الحكم الفارسية الممثلة حالياً بإيران، وتاريخياً بالإمبراطورية الساسانية وما سبقها. عبر العصور، لم تكن هذه النزعة مجرد خلافات جغرافية أو موارد عابرة فحسب، بل هي صيغة عميقة من الاستعلاء الحضاري والعقد النفسية المورثة جيلاً بعد جيل.  

في التحليل الباراسيكولوجي والسوسيولوجي، تُعد هذه الشخصية بناءً نفسياً يعاني من “العقدة الساسانية” أو “عقدة المجد المفقود”. تعتمد هذه العقدة على إسقاطات نفسية ثقيلة؛ إذ يرى جوهر هذا الشعور أن الأمم المجاورة — وفي مقدمتها الأمة العربية — أمم طارئة أو سلوكيات أقل شأناً، كشكل من أشكال الإنكار الاجتماعي للهزائم التاريخية الفاصلة التي طالت إمبراطوريتهم. ينتج عن ذلك خلل في الإدراك، أدى إلى صياغة نظرة مرضية لا تقر بالسلام أو توازن القوى، بل ترى في أي محاولة صلح ضعفا يستوجب الاستغلال والاحتلال.
البعد التاريخي والشواهد: بين الساسانيين والروم والعرب
تستند هذه المنظومة القائمة على الخداع والسعي للهيمنة إلى وقائع شهدها التاريخ القديم؛ حيث استغل الساسانيون أي ثغرة حضارية أو سياسية لبسط سلطانهم أو زعزعة استقرار جيرانهم. 

  1. خدع الدويلات الحدية (المناذرة والغساسنة)
    في العصر الساساني، قسمت الإمبراطورية المناطق العربية إلى أدوات ودويلات حدية. حيث اتخذت من دولة المناذرة (اللخميين) عمالة وحاجزاً وقائياً لحماية تخومها الغربية مقابل نفوذ الروم وحلفائهم الغساسنة. لم يعامل الساسانيون المناذرة كأنداد، بل كأدوات حربية يُدفع بهم إلى المهالك لخدمة عرش كسرى. ومع ذلك حصلت الخيانة الكبرى:
    نهاية الملك النعمان بن المنذر
    مثال صارخ على هذه العقدة يتوجه قتل كسرى الثاني (أبرويز) للملك الحيري النعمان بن المنذر. بعد عقود من ولاء المناذرة للعرش الساساني وحمايته، رفض النعمان مطالب كسرى المساسة بالكرامة والشرف. فما كان من كسرى إلا أن غدر به، وأمر بأن يُرمى تحت أرجل الفيلة (أو سجنه حتى الموت في ساباط)، ثم قام بإلغاء إمارة الحيرة وتعيين حاكم فارسي عليها. كانت هذه الحادثة صدمة للقبائل العربية التي أدركت أن السلام أو الحلف مع الفارس لا يحمي أحداً، وأن المنطق الوحيد الحاكم لهم هو الاستعباد، فكانت هذه الشرارة المنشئة للملحمة التاريخية في معركة ذي قار.
    اما الصراع الساساني البيزنطي على بلاد العرب
    لم يقف التوسع الساساني عند الشام والعراق، بل امتد ليشمل اليمن بعد استغلال الصراع المحلي فيها، لتتحول صنعاء إلى ولاية ساسانية يقودها أبناء الفارس (الأبناء). كان هذا السعي الاقتصادي والعسكري للسيطرة على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب جزءاً من التنافس المحموم مع الإمبراطورية البيزنطية؛ حيث خاض الساسانيون حروب استنزاف لا تهتم بدماء الشعوب المجاورة بل بإخضاعها التام. 
    العقد النفسية والنظرة للأمم الأخرى
    تُشخص الشخصية التاريخية للأنظمة الممثلة للفارس عبر محاور نفسية وسوسيولوجية حادة:
    عقدة التفوق العرقي: اعتماد التراتبية العرقية مبدأً ثابتاً؛ حيث يرون أنفسهم مركز الأرض، وما دونهم أمم هامشية أو شعوب لا ترتقي لمستوى المدنية.
    النظرة الفارسية للأمم الأخرى:
    إدراك الآخر بمنظور “الولاية أو التدمير”. لا وجود لمفهوم الشراكة الحقيقية؛ فمن ناداهُم بالصلح قابلوه بالخديعة، ومن طالبهم بالحقوق قابلوه بالعنف.
    الاستغلال الجيوسياسي للأدوات: تجسيد استراتيجية الدفع بالوكلاء المحليين لخوض الحروب نيابة عنهم (كما جرى مع المناذرة في الماضي، وما يُشاهد عبر أدواتهم الإقليمية في الحاضر).
    كيف يجب التعامل معهم؟
    المنهج الاستراتيجي
    من منظور علم الاجتماع السياسي والمناهج الأمنية، يثبت استقراء التاريخ أن دبلوماسية الاستعطاف أو السعي المنفرد للسلام يُفسران هناك كعجز نفسي وميداني. انطلاقاً من ذلك، يتقرر بناء المنهجية حازمة عبر القواعد الآتية:
    أ. القوة والتوازن الرادع
    تقضي الديناميكية النفسية للشخصية التوسع الخضوع التام عند الاصطدام بقوة أعلى أو مساوية تمتلك إرادة القتال. كانت معركة
    ذي قار، ثم معركة القادسية الفاصلة، هما البرهانين التاريخيين على أن كسر كبرياء “كسرى” وتفكيك المنظومة الساسانية لم يكن ليتم عبر المفاوضات بل بالحسم القاطع والندية الشاملة.
    ب. العمل الاستخباري العظيم وتفكيك الخلايا
    تعتمد عقيدة التوسع الإيرانية/الساسانية عبر التاريخ على الشبكات الخفية، الحرب النفسية، الشائعات، وتجنيد الوكلاء المحليين. لذلك فإن المواجهة تتطلب:
    اختراقاً استخبارياً شاملاً يجهض الملاذات الشائعة والخلايا قبل تشكلها.
    حرباً نفسية مضادة تعمل على تفكيك أسطورة “العرق” أو “المجد المفقود” في ثقافتهم الداخلية.
    تجريدهم من أدواتهم الإقليمية عبر قطع شرايين التغذية المالية والفكرية، ليعود المشروع ليواجه ذاته في الداخل.
    ج. عدم الركون للمعاهدات الهشة
    أثبتت المعاهدات الساسانية البيزنطية، وكذلك التجارب مع العرب، أن الاتفاقيات معهم هي مجرد “استراحة محارب” وتكتيك لإعادة التموقع. السبيل الوحيد للسلام المنيع هو أن يكون مشروطاً بسيف الردع واليقظة الأمنية الدائمة.
    وخلاصة القول
    إن قراءة التاريخ منظورا إليه من زاوية علم الاجتماع السياسي والتحليل النفسي العميق تكشف حقيقة صارمة: إن النزعة الإمبريالية المورثة عبر العصور لم تكن يوماً قابلة للاحتواء عبر حسن النيات. لقد ظل منطق الإخضاع هو المشروع الأساسي هناك. وعليه، فإن الصيغة الحضارية المطلوبة للتعامل مع هذه النمطية تتلخص في: إرادة صلبة، عقلية استخبارية ثاقبة، ندية صارمة، وقوة رادعة تعرف متى وكيف تحصن الديار وتقطيع أيدي التغلغل وبدون مواجهة عسكرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى