الطوفان.. فعل فوق الإمكان – علي إبراهيم


 
لم تعد الأحداث الاستثنائية تذهلنا كثيرًا، فقد أصبح سيل المعلومات أكبر بكثير من القدرة على الاستيعاب والتحليل، ولكننا جميعًا استيقظنا صباح السادس من أكتوبر/تشرين الأول بذهول استثنائي، وحالة فريدة من الشده الممزوج بالكثير الكثير من الفخار، فالحدث ليس بتوقيته فقط، ولكنه بما حمله من كسرٍ لكل القواعد التي ظننا أنها غير قابلة للكسر، وأصبحنا نكرر السؤال المرة تلو المرة هل هذا ممكن؟، ليتضح بأن الطوفان فعلٌ فوق الإمكان.
 
نعم هو ممكن وأكثر، ومستمر حتى لحظة كتابة هذا المقال، وبعيدًا عن حالة الفرح التي انتابت كل الأحرار والمتضامنين، فقد شهدت السويعات الماضية تطورات وأحداث من الضروري تسجيلها وتسليط الضوء عليها، وفي ما يأتي أبرز النقاط والمشاهدات من وحي “طوفان الأقصى”.
فقد رسخت المعركة الجديدة تموضع المقاومة الفلسطينية في قلب معركة المسجد الأقصى مجددًا، وهو ما حاولت أذرع الاحتلال الالتفاف عليه منذ معركة سيف القدس، محاولة أن تصعد اعتداءاتها بحق الأقصى ومكوناته البشرية، وخاصة بالتزامن مع الأعياد اليهوديّة، وسعت إلى سحب فتيل الاشتعال بشكل متدرج من يد المقاومة، وأن تعيث فسادًا في المسجد وتحاول تقسيمه زمانيًا ومكانيًا، من دون أي ردّ من المقاومة، وهو ما حطمته المقاومة الفلسطينية بشكل مفاجئ، فلم تعلن أو تهدد بشكل مسبق، بل جاءت المعركة ردًا مباشرًا على الاعتداءات التي جرت في الأقصى في الأسابيع الماضية، بأساليب وطرق جديدة، وهو باب سيظل مفتوحًا، فالاحتلال لن يتراجع بكل سهولة.
وحول هذه الأساليب ولست معنيا بالجانب العسكري منها، ولكنها تتمحور حول نقل المعركة مع الاحتلال إلى قلب المناطق المحتلة، انطلاقًا من غلاف غزة والأفق قدرة المقاومين على الوصول، وهو ما يظهر إعدادًا مسبقًا، ومباغتة سريعة، وتجاوز السياج الذي كلف نحو 4 مليارات شكيل، ما أدى إلى إرباك الاحتلال وتكبيده خسائر فادحة، والذي أثر على الحالة العامة في المناطق المحتلة، وأدى إلى شل الحركة في كل المدن المحتلة ومطاراتها، ومن ثم قلب معادلة التفوق العسكري التقني، وأعاده إلى نقطة الاشتباك من مسافة صفر، وما أردف هذا التوغل من أدوات أخرى، ما زالت تحمل المفاجآت لنا ولكل متابع.
ولم يكن الإرباك في قدرة اختراق الغلاف من قبل المقاومة فقط، فالمتابع لتصريحات جيش الاحتلال أو لرئيس وزراء جيش الاحتلال، وغياب أي رواية دقيقة لأي أحداث أو خسائر، وهو ما يعني أن الضربة التي تلقتها أذرع الاحتلال الأمنية كبيرة جدًا.
أما خارج الأراضي المحتلة فقد أعادت هذه المعركة مركزية فلسطين في وجدان الأمة، ومكانة المسجد الأقصى، وإدراك الجماهير الكبرى لطبيعة الصراع مع المحتل، وتفاعلهم مع المستجدات إن في وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الوقفات المساندة في العديد من المدن العربية والإسلامية، فقد شهدت الدوحة والكويت وبيروت وطرابلس وعمّان والجزائر وإسطنبول وغيرها، وقفاتٍ مساندة أو توزيعًا للحلويات أو غيرها من أشكال التفاعل مع الشعب الفلسطيني، وحقه الثابت في الدفاع عن أرضه.
وفي سياق هذه المواقف، يبرز الموقف الرسمي القطري بأنه الأكثر نبلًا وأصالةً وصوابًا ووضوحًا، فيما بين المواقف الرسمية العربية، وهو موقف لا يساوي بين الجلاد والضحية، بل ينحاز بشكلٍ واضح إلى الشعب الفلسطيني المظلوم، ويأتي في سياق عددٍ من المواقف العربية التي أبدت دعمها للشعب الفلسطيني.
‎أخيرًا، لن نبالغ في الأماني في هذه اللحظة، وفي الوقت نفسه لن نمنع أنفسنا من الفرح بما يجري، مع كتمنا للدمع على أهلنا وإخواننا الذي يسقطون في قطاع غزة، ولكنها محطة مفصلية من محطات الصراع، سيكون لها بلا شك تداعيات كبيرة جدًا، وسنظلّ نردد من صميم الإيمان الراسخ قول الله تعالى في كتابه العزيز: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى