أهل الحقّ بيد الحقّ- د.أسامة الأشقر

تقسو كلماتنا على أنفسنا من شدة شعورها بالافتخار والعزّة، وذلك أننا في الوقت الذي نتمايل فيه طرباً من فِعل أولئك الفرسان الذين يباطِحون العدوّ ويقارعونه بمقارعهم فإن ثمة شعباً يحاول أن يسيطر على الفزع الذي يسقط على أطفاله وضعفائه إثر كل غارة يسمع أزيزها أو لا يسمع، ولا يرى نفسه بعد تنفُّسه إلا ميتاً، ويرى أنه إذا نجا بنفسه فإن منزله أو حارته قد تهدمه قذائف الأوغاد العمياء، وقد لا يرى جيرانه أو أهله بعد حين.
إنهم يرون البيوت تُمَسح، بل الحارات، ويرون الدور تُهدم بل الأبراج، ويرون البساتين تُحرق بل الميادين.
وأصبحت حياتهم الصعبة أصلاً شديدة المرارة، سوداء المعاملة، شاحبة الملامح، فهم على أبواب مجاعة، والماء عزيز، ولا غاز ولا حطب ولا وقود، ولم يبق لأحدهم سوى بطارية سيّارة يشحن بها دقائق لجوّالات بيته.
وفي تلك الدقائق المُرّة التي يجول فيها على منصات الأخبار ووسائل التواصل تراه يبحث عن مصير بيته الذي نزح منه أو جاره الذي تركه وراءه، ويظن أن هذه الوسائط ستحمل إليه خبراً، ولكنه يعود خائباً لأن هذه الكاميرات لا تنقل إلا المشاهد العالية، والعناوين الكبيرة، وتبقى آلاف التفاصيل بلا توثيق، بل إنه لا يجد أسماء المئات من الذين يختنقون تحت الردم، وهي المعاناة التي تجتاحه على مدار الساعة.
لن نجمّل المعاناة، ولن نقلّل من وقع الكارثة، ولن ندعو الناس إلى مزيد من الصبر الذي ذاقوه عند الصدمة الأولى، فلا أحد يستطيع أن يمسح دمعة أمّ ترى وليدَها يصيح جائعاً أو خائفاً، ولا نستطيع أن نتكلم بحضرة مريض يتلوّى من الوجع وقد فقد مَن كان يعينه على وجعه الذي لا يجد له الدواء، ولا نستطيع أن نقول مهلاً لأولئك الذين يخرجون من بيت إلى بيت بحثاً عن سلامةٍ مظنونة يُرضي بها نفسه أنّه بحث عن مخرج في سجن الضيق هذا !
نعلم أن الوجع كبير، وأن الغضب كبير، وأنّ الصبر عظيم، وأن التحمّل في حدّه الأقصى، ونعلم أيضاً أن الموت إذا انتشر فإن طعمه عند الناس لا يعود مُرّاً، ولا ذكراه كارثة، وربما بات الموت حلّاً سهلاً لهذا الواقع وفِطاماً عن شراب السمّ الذي يتجرّعونه!
ولكنني عندما أسمع أصوات هؤلاء العنيدة وأقرأ كلماتهم المتحدّية، أعلمُ أن الله قد أعدّهم لبعثٍ جديد، وأنّ الله يبتليهم كما ابتلى رسولَ الله وأصحابه في مواسم قاسية في حصار الشِّعب، وفي هجران الديار والأهل، وفي مَقاتل الأحباب والأصحاب في المعارك والغارات، وفي نقصان الأموال واشتعال الجوائح… وكأنّ الزمان يستدير !
وأقول في نفسي إن الله يهيّئ لهؤلاء الصابرين الباذلين شأناً عظيماً، وأنّ الله يرفعهم في كل مرة نراه ينقصون فيها، ويقدّمهم في كل حالة نظن أنهم يتأخّرون فيها، وأنه يكتب لهم السلامة في كل لحظة يقع عليهم الموت فيها، وأنّ أقدار الله تراعي مجموعهم لا تفصيلَهم، وأنّ الله يقترب منهم كلما ابتعد الناس عنهم، وسيجْبرهم ويَلْطف بهم حقّاً حقّاً، وسيبارك في تعويضه لهم، وسيرون ذلك، وسيرضون بما ارتضاه الله لهم من كرامة.
اللهم أنت الحقّ ومنك الحق، ووعدُك حقّ، فانصر أهلَ الحقّ، ولا تتركهم أيها الحق العظيم!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى