ثباتُكِ ثباتُنا يا أمّ عمارة، فلا تبرحي !  – د. أسامة الأشقر

1. لقد أخبروك أنك تكونين في التمريض والرفادة والخدمات، وأنّ محلّك البيت وهو أحصنُ لك، إلا أنهم لم يكملوا لك أنك مصدر ثباتنا، ولم يحكوا لك ما كان يفخر به رسولُ الله صلوات ربي وسلامه عليه من عجيب فِعل أمّ عمارة !

2. ولقد رأى رسول الله أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، وكانت تسقي عشرات الجرحى من قِربة لها.

3. ولمّا رأت الهزيمة في المسلمين وانكشافهم عن رسول الله انحازت إلى رسول الله، ولم يكن معه سوى نفر قليل لم يتمّوا عشرة، فتركت قِربتها، وأخذت قوسها ترامي به، وحملت سيفها تقاتل، وقد شدّت ثوبها إلى وسطها وانضمّ إليها زوجها وابناها.

4. وانضمّت إلى مصعب بن عمير ورفاقه عندما هجم ابن قميئة ورجاله على موضع رسول الله يريد قتله، فتصدّت له، وتلقّت نحو ثلاث عشرة ضربة منه ومن رفاقه، وكانت إحداها ضربة غائرة عميقة في عاتقها، ولكنها لم تتوقف فضربته عدة ضربات إلا أنه نجا منها لأنه كان يلبس درعين.  

5. كان رسول الله يراها وهي تقاتل فيقول: لَمُقام نسيبة بن كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وكان يراها تقاتل أشدّ القتال.

6. وكانت تقاتل بلا ترس وكان بعضهم يمر قرب رسول الله مهزوماً وكان مع أحدهم ترس فقال له: يا صاحب الترس ألق تُرسَك إلى من يقاتل، فألقى ترسه، وجعلت تُترِّس عن رسول الله.

7. كانت خيّالة قريش تفعل الأفاعيل في جيش رسول الله، فجاء أحدهم فضربها، فتلقّت ضربته بترسها، ثم ضربت عرقوب فرسه فوقع على ظهره، فصاح رسول الله في ولدها أن يساعد أمّه ويقول: أمَّك أمّك! فعاونها حتى قتلته. 

8. وكان رسول الله يقول: مَا الْتَفَتّ يَمِينًا ولا شِمَالًا إلّا وأنا أراها تقاتل دوني.

9. ورأى رسول الله الجرح الغائر في عاتق أم عمارة فأمر ابنها أن يعصب جرحها، ودعا له ولها، وقال: بَارَكَ اللّهُ عليكم مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ! مُقَامُ أُمّك خَيْرٌ مِنْ مُقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَمُقَامُ رَبِيبِك – يَعْنِي زَوْجَ أُمّهِ – خَيْرٌ مِنْ مُقَامِ فُلَانٍ وَفُلَان؛ وَمُقَامُك لَخَيْرٌ مِنْ مُقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ رَحِمَكُمْ اللّهُ أَهْلَ الْبَيْتِ! قَالَتْ أم عمارة: اُدْعُ اللّهَ أَنْ نُرَافِقَك فِي الْجَنّة! قال: اللّهُمّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي فِي الْجَنّة! قَالَت: مَا أُبَالِي مَا أَصَابَنِي مِنْ الدّنْيَا!

10. ولمّا دعا رسول الله أصحابه لملاحقة قريش إلى حمراء الأسد شدّت عليها ثيابها وأرادت اللحاق برسول الله لكن كثرة الدم النازف من جراحاتها منعها من صحبة جيش رسول الله، وظلّوا طوال الليل يكمدون جراحها.

11. ولمّا عاد رسول الله من حمراء الأسد لم يصل بيتَه حتى أرسل إليها رجلاً يسأل عنها فأبلغه بسلامتها فسُرّ رسولُ الله لذلك سروراً عظيماً.

12. وفي معركة اليمامة كانت نسيبة مع جيش خالد بن الوليد، وهو يحاصر مسيلمة الكذاب، وكانت تلاحقه حتى اقتحمت الحديقة الداخلية مع المقتحمين، فاعترضها أحد رجاله وضرب يدها بسيفه فقطعها، فلم ترجع إلى يدها ولم تلتفت لها، وثبتت في قتالها حتى رأت ابنها يمسح دمه قاطع يدها عن سيفه.

فشدّي عليك عصائبك وأحزمتك، واثبتي في مكانك، واعلمي أن التهجير لن يتوقف مراره، ولن تنتهي عذاباتُه إذا استسلمتِ له، واحمي ظهور الفرسان المقاتلين، واحملي سلاحك !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى