إذا كنتَ في ذاك الزمان الجميل فإنك إذا ترحَّلتَ صوب قرية نجد فستجد فيها هواء طيباً منعشاً يأتيها من الغرب حيث البحر الممتدّ في أفقها.
وينبسط حولها حقول من القمح في الصيف، قبل أن يحصده الفلاحون ويخزنونه في الخوابي الطينية التي تنتشر في القرية الصغيرة، ويذهبون ببعضه إلى مجدل عسقلان ليعاوضوا قمحهم بالملابس والقهوة والشاي وبعض الأدوات.
وفي بيت كل فلاح تجد هناك عرائش العنب، وأشجار التين، وأحواض الخضار اليومية المستعملة في مطابخهم اليومية، وتجد فرن الطابون، وحظيرة صغيرة تجد فيها الأغنام والابقار فيحلبون منها ألبانهم، وينصعون أجبانهم، وما فاض عنهم يبيعونه في سوق القرية أو يجعلونه لدى اللحّام ليبيع لحمه.
ولا تخلو البيوت أيضاً من حظائر الدجاج التي تستفتح عليهم ديوكها بالذكر كل صباح ومساء .
وعلى أضواء البدر الساطع تنعقد الأفراح والليالي المِلاح، ويأكلون اللحم والجريش الذي ينعونه من سنابل قمحهم.
وفي القرية زاوية أنشأها شيخ صوفي أتاهم من الخليل يقال له خيري القواسمة يصلّي بهم ويدرّس بعضهم ما تيسر من الكتاب، حيث إن الجميع كان يعيش مع الأرض ولا يكادون يتفرغون لنشاط آخر حتى يأتي رمضان فيكون هو الموسم العظيم الذي يفرحون بقدومه ويجتمعون في دواوين كل أسرة على موائد واحدة.
ثم اجتاحت العصابات قريتهم، وقتلوا الفرحة التي عاشوها قروناً متتابعة، وخرج أكثرهم إلى الجنوب لاجئين، حيث لم يجدوا أرضاً يزرعونها أو يفلحونها أو مهنة يعرفونها، فمرت عليهم سنوات قاسية قبل أن يستوعبوا الصدمة ويبكوا على ما فقدوه، ويسترجعوا ذكريات قريتهم كلما شاهدوا أبراج الموت التي تتعالى على أنقاض قريتهم من ناحية بين حانون القريبة.
لكنّ قلب كل واحد منهم وكل واحدة كان قد زُرِعت فيه بذرةٌ من صبّار الثأر وبذرةٌ من جمّيز العودة، وانشقّت البذرة، وأينعت، وحان قِطافُها.
كانت دمعة الجدّ حارّة تخرج بعِناد وهو يستمع لحفيده الذي دخل أرضه وقال له: إنني يا أبتِ فوق نجد ومررت قبلها بسمسم وسأمرّ على هُوج.
كان الحفيد يتحدث إلى جدّه من الموضع الذي غيّروا فيه اسم نجد وهوج إلى سديروت التي دخل عليها من الباب الأرحب الذي يحبّه الله ورسوله.
فأوصاه أن يحمل حفنة من ترابها المطويّ تحت شجرة تين قديمة، فردّ عليه الحفيد: تأتي أنت قريباً إن شاء الله وتتمرّغ في سواطع بدر نجد وسنابل قمحها الذهبي الذي ينتظرك يا جدّي منذ أكثر من سبعة وعشرين ألف يوم.




