موسم الهجرة إلى فلسطين – علي حسن إبراهيم


 
تراجع موقع القضية الفلسطينية في السنوات الماضية بشكلٍ كبير جدًا، حتى كادت أن تختفي في الكثير من المواقع والبلاد، وإن أي متابع لموقع القضية، وراصدٍ للتفاعل معها على الصعد الرسمية والشعبية، يدرك المحاولات الكثيرة لإنهاء الالتفاف حولها، والاهتمام بها، والدفع نحو إنهائها قبل إنهاء التفاعل معها، وقد حصل هذا التراجع لأسبابٍ كثيرة جدًا، بعضها يتعلق بظروفٍ في البلاد العربية والإسلامية، وأخرى كانت نتيجة مخططات ونيّات خفيّة.
ولقد حاولت موجة التطبيع الأخيرة أن تقضي على ما بقي من القضية، وظنوا أنهم سيستطيعون ذلك بيسرٍ وسهولة، فقد ارتدى المطبّعون ثوب الخائف على فلسطين، وزوروا تطبيعهم بأنه ما جاء إلا لحمايه قضيتها، وبأنهم لا يفرطون بفلسطين، بل يمدّون عُرى المودّة والعلاقة، مع المحتلّ، لا لشيء إلا لأجل فلسطين ومقدساتها، إلا أن السنوات القليلة اللاحقة، أظهرت تهاتف هذه الادعاءات، فقد سقطت هذه الذرائع الواحدة تلو الأخرى، فالتطبيع لم يكن إلا خنجرًا مسمومًا في ظهر القضية، وظهر الأمة، ولم يمتّن المطبّعون أي علاقة، إلّا مع المحتلّ، وعلى حساب فلسطين وأهلها، وليس لأجلها.
وعلى الرغم من هذا التراجع، ومحاولات البعض وأد القضية إلى غير رجعة، إلا أننا نشهد ومنذ بداية عملية “طوفان الأقصى”، موسمًا للهجرة إلى فلسطين، فكريًا ووجدانيًا ومعرفيًا وإيمانيًا، فقد سقطت الكثير من مشاهد التفاهة والعته لتحلّ محلها الجدية والاهتمام بالصراع مع الاحتلال. ولو كان ما نشهده من “استعادة فلسطين” في هذه الأيام نتيجة وحيدة لعملية الطوفان لكفى، فقد عادت القضية إلى شعوبنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمله من رمزيات وأبعاد وأفكار، ولم يعد الحديث عنها مقصورًا على نخب متضامنة هنا أو هناك كما كان سابقًا، بل عادت لتلتحم مع الجماهير التي خرجت وتخرج إلى الشوارع كل يوم، تُطالب بوقف العدوان على غزه، وتتضامن مع المقاومة وتؤيدها، تركز على حقوق الشعب الفلسطيني، وتعيد تأكيد كُره الاحتلال، ونبذه بكل شكلٍ من الأشكال.
الهجرة إلى فلسطين، ليست هجرة المستسلمين المستسهلين، فقد عاينت الجموع أن مسار “التسوية” مقبرة لكل فعلٍ قادر على مواجهة العدو، وأن العلاقة مع الاحتلال مستنقعٌ آسن، يُغرق من يدخل إليه في رمال متحركة، لا يكاد يستطيع الخروج منها، وكأن العائدين إلى فلسطين، يعاينون ذلك الميزان الدقيق، ما بين كفة سقف مآلها وطموحها، تغيير دواليب عربات المحتل داخل المناطق الفلسطينية، وتقديم التحية له. وما بين كفةٍ أخرى، تفتك بالمحتل وتدمّر دباباته من مسافة صفر، وتحيلها كومة من الحديد الخرب الصدأ، بأيدٍ متوضأة، وألسنة لاهجة بالآي والذكر.
يعي العائدون إلى فلسطين أن ثمن المقاومة باهظ جدًا، داخل فلسطين وخارجها، ولكن البندقية استحالت “غصن الزيتون” الذي يتعلقون به، وأكدوا أن “الياسين 105” هي العصا التي يهشون بها خراف العجز والقعود، وأن الملثم سفير الثلة الثابتة، يمدهم بقبساتٍ من الصبر، يواجهون بها صور الإجرام والمجازر، لتبقى الصورتين معًا، فعل المقاوم الهادر، وإجرام المحتل، ليُحاسب عليه ولو بعد حين.
وإن أردنا الحديث عن أوجه استعادة فلسطين فهي كثيرة جدًا، فمن حملات المقاطعة الشعبية، ونبذ كل داعم للمحتل من أي منحى من مناحي الحياة، مرورًا بالمظاهرات الدائمة والتفاعل المستمرّ، وصولًا إلى من اصطفا نفسه من الإعلاميين والمؤثرين، وفضح روايات الاحتلال وأكاذيبه، وغيرها من التفاصيل، وربما كان من أبرز الصور التي تلفت الانتباه صورتين، الأولى لجلوس الأطفال أمام الشاشات لمتابعة كلمة أبي عبيدة، أما الأخرى فهي وقوف الشباب في الصالات الرياضيّة في عددٍ من البلاد لمتابعة الكلمات ذاتها، وكأنها رسالة خفية، بأن هذا الجيل قد عاد إلى قدواته الحقيقية، وأن أثر الملثم فينا أكبر من المعقول والممكن.
أخيرًا، لقد صدق الذي قال تحررنا فلسطين قبل أن نحررها، ولكن لا يجب أن يكون هذا التحرير آنيًا، أو أن نؤوب من فلسطين بعد عودتنا الميمونة إليها، فما يجري حاليًا، ما هو إلا معركة في الحرب، والمعارك القادمة حتى التحرير كثيرة متتالية.
ومن موسم الهجرة إلى فلسطين، إلى موسم تحريرها، ألف ألمٍ وأملٍ يزهر من صبر غزة وصمودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى