لا تقف آثار الملحمة البطولية عند الصمود البطولي للمقاومة الفلسطيني والشعب البطل فقط، فقد استطاعت المعركة وما بعدها، وعلى الرغم من الجراح الكبيرة أن تحدث كوةً في واقعٍ ران على قلوبنا دهرًا من الزمن، وفي زمنٍ كانت العلاقة مع المحتلّ هي طريق الكثيرين، كسرت المقاومة في “طوفان الأقصى” هذه القاعدة، واستطاعت صناعة “المستحيل”، إلى جانب العديد من الإنجازات الكبيرة التي تحققت، من التأكيد على دور المسجد الأقصى وأهميته، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مقدمة الاهتمام العالمي.
ومن أبرز الشرائح التي تأثرت مما نشاهده في هذه المعركة، ألا هي فئة الشباب، التي تُعدّ عصب التفاعل مع غزة وما يجري فيها، وشريان التفاعل مع غزة وما تعانيه على وسائل التواصل، ومن حمل هم النشر والتعريف بقضية فلسطين، ويزداد تأثر هؤلاء مع كل مشهد تنشره المقاومة، وهم يرون أترابهم في القطاع، وهم يذيقون المحتلّ العذابات، ويردون له الصاع مضاعفًا، ويخوضون معركة بطولية، وملحمة قلّ نظيرها. وقبل الطوفان بأيامٍ قليلة رأيت من يذم الجيل بأكمله، ويقول بأنه جيل لا طائل منه، وأن سقف طموحاته أن يجمع التفاعلات في وسائل التواصل، إلا أن معركة الطوفان، كان من أبرز مزاياها أن أسقطت مشاهد التفاهة والعته في وسائل التواصل، ورسخت مكانها محلها الجديّة والاهتمام بالصراع.
وفي قراءة لنماذج هذا التفاعل الشابي، وقد خضت في العديد منها بشكلٍ مباشر، على أثر عددٍ من المحاضرات والحوارات مع الشباب، تناولت تطورات المعركة في غزة، وما يجري فيها، وكيف تتصدى المقاومة الفلسطينية للعدو، وإدارتها للمعركة على الصعد الإعلامية، وقد شهدت هذه اللقاءات حضورًا شبابيًا طيبًا، ونقاشًا ثريًا، ومما يمكنني تسجيله ما يأتي:
- تشوق مختلف الفئات وخاصة من الشباب إلى الاستزادة حول الحدث الراهن، تحليلًا وعمقًا وفهمًا، بل والولوج في تاريخ القضية وخلفياتها، وفهم مجريات الأحداث في فلسطين المحتلة، ومحاولة قراءة الحدث في سياقه التاريخي، من المرحلة التي سبقت النكبة وحتى يومنا هذا، ما يعيد القضية كمسارٍ واحدٍ، وليس محطات متشرذمة.
- التفاعل المستمر والمتصاعد مع التطورات في قطاع غـزة، وذلك الفخر العارم بما تحققه المقاومة من إنجازات كبيرة في صد العدوان البريّ، ومصاولة العدو، والإثخان فيه، وعلى الجانب الآخر، التضامن الكبير مع ما يعانيه أهلنا في القطاع من حصار وتجويع وتهجير وغيرها، وهو تفاعل متحرك، يترجم عمليًا بانخراط الشباب في مبادرات عملية، وجمعهم للتبرعات لإخواننا في فلسطين، مع التأكيد على أن حجم الجرح أكبر من حجم العمل.
- ومما يتصل بجراح أهلنا الكرام في غزة، ضرورة إيصال الرسائل حول حاجات أهلنا وطرق دعمهم ومناصرتهم بمختلف أشكالها الممكنة، وهي حاجة لنا لنقف مع إخواننا، قبل أن تكون حاجة لهم، وخاصة أن الكثير من الشباب لديهم طاقات كبيرة، تدفعهم للحركة والعمل، ولكنهم لا يجدون أصحاب المبادرات الفاعلة، أو أن ضرورات الحياة في الكثير من البلاد تُجبرهم على الانكفاء، والاكتفاء بالمشاركات العامة في المظاهرات، أو التضامن الشخصي فقط.
- ومما يجب التحذير منه المرة تلو المرة، تشغيب بعض “المتفيقهين” وتحويرهم ما يجري في بطولات وجهاد عظيمين، إلى مادة جدلية، ومبارزة إحصائية، وهذا ما دفع الشباب إلى السؤال والتثبت، ولكنها قضية بالغة خطورة، وقدرة بعض هؤلاء، وخاصة ممن لهم جمهور كبير على تحوير الحقائق، والدخول في زوايا جدلية، تضر بالشباب ضررًا كبيرًا، ويصبح شعار “جاهد بالسنن” دافعًا للشباب لينفضوا عن هؤلاء المتحذلقين، وترديد شعار “جاهد بالسكوت”.
- أهمية تغليب لغة الحوار والهدوء مع بعض التفاعلات السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تلك المتصلة بتصريحات أو بيانات تمس اصطفافات داخلية في الأمة، وضرورة التعامل معها بموضوعية ومرونة، بما لا يدفع المستمع للانزلاق إلى جدليات لا تسمن ولا تغني من جوع.
أخيرًا، ما لمسته وما لمسه غيري من التعطش الكبير للمعرفة من مختلف العاملين، يؤكد على أهمية الاستفادة من الأوضاع الحالية، والتنبه لحالة التشوق والحب، والبناء عليها والاستفادة منها، في سياق تحريك قطاعات مجتمعية، أو إيصال المعلومات لشرائح جديدة. فالهمة ستبرد لاحقًا، وينشغل الشباب وغيرهم بهمومهم اليومية وشؤونهم الحياتية، وهي كثيرة في ظل التطورات وأولويات المتابعة، وأن بناء المبادرات في الواقع الحالي، أمر لا بدّ منه، وثغرة يجب أن تُسدّ.




