أجِيبونا قبل أن تسلّمونا! – د. أسامة الأشقر

ربّما كان من أسهل الفتاوى وأيسر المشورات أن تطلب من الناس المكلومين أن يسلّموا ما لديهم، وأن يستسلموا، ويرضوا بواقعهم، وينسوا مؤقّتاً أن لهم أرضاً ووطناً وحياةً بعد كل هذا الخراب، ويأن يتجهوا إلى أرض الله الواسعة التي تكفل لهم الحياة، وتفتح لهم باب الفرص!
أجيبونا أيها الواعظون المستشارون!

  1. هل تعلمون عن أوضاع آلاف الجرحى المحبوسين هناك بين جدران المستشفيات القذرة الذين لا يجدون إلا البؤس وسوء العيش ورداءة المعاملة، سواء من الإدارة الحاكمة أو سفارة السلطة هناك، والتهديد لهم بأن ينسوا العودة إلى ديارهم، لأنهم ضمن مشروع تهجير الآن.
  2. هل تعلمون كيف سيقضي عشرات الآلاف من شعبنا المهجّر في معسكرات اعتقال تسمى مخيمات نزوحٍ حياةً كئيبة محطّمة ينتظرون طوابير البؤس صباح مساء، ويتلقّون خدمة متساوية في المنّ والأذى، ويتطاول بهم العمر حتى يوزِّعوا بعضهم في أقطار الدنيا، ويتركوا البقية في شقاء المخيمات المنصوبة، ولا يبقى لدى القادرين سوى حلم واحد أن يقرضهم أحدٌ مبلغاً يغطّي رحلة غير آمنة لهجرة غير مشروعة لأوروبا!
  3. هل تعلمون أن أحداً ممن سينجو من هذا المخيمات بواسطةٍ أو شفاعةٍ يدفع فيها دم قلبه فإنه سيعيش في هوامش الضواحي على مساعدات الأقربين المستنزَفين أصلاً، ويظلون يخافون كل شهر إن كانوا يستطيعون دفع إيجار منزل ترتفع أجرته كل شهر، ويخافون كل يوم من أجل توفير لقمة كريمة تسدّ الرمق لأولادهم، أو جرعة دواء مسكّن، ويتحمّلون أذى الشعوب الذين يظنّون أنهم أخذوا منا أعمالهم وأرزاقهم، ورفعوا عليهم تكاليف الحياة!
  4. هل تعلمون أننا في مخيماتنا هذه لن يسمحوا لنا برخصة عمل، ولن يعطونا إذن إقامة مؤقتة ولا طويلة، وسنبقى تحت بند اللجوء والطفولة الشقية والأمومة المعذّبة، يرتزقون منّا شطر القليل الذي يصرفونه لنا.
  5. وحتّى لو أعطيتمونا بعض المنافع الكريمة، فهل تعلمون أن شعبنا لو قرر الاستماع لكم والنزوح خارج بلده فإنّ ألسنتكم لن تكفّ عنهم، وستتهمونهم بترك أوطانهم، والتخلي عنها، ألا تتذكرون كيف أنكم ما زلتم تتحدثون عن دعاية قديمة صنعها العدوّ بأن أجدادنا باعوا أرضهم، وتعيّروننا بشيء لم يكن!
  6. عندما نحسبها بشكل صحيح فنحن بين وعيد الموت الذي ينتظره كل واحد منّا في أي لحظة بتسليمٍ كامل، وبين خيار الجلوس بحسرة إلى باب خيمة ممزّقة فوق ركام بيوتنا المهدّمة، أو خيار الذلّ المستديم القاهر الذي سنعيشه في أكناف الجيران الساخطين؛ أو خيار استدعاء الثبات والوقوف في وجه العاصفة باعتباره الخيار الأنقَى والأشرف في ظل هذه الخيارات العدميّة المتاحة.
  7. أيها الواعظون المستشارون، ارفقوا بالناس فإنهم متحيّرون تائهون يريدون نصرةً وإسناداً ونجدةً، ويريدون مشروعاً يحفظ سلامتهم وتعمير ديارهم، ولا يريدون خدّاماً لعفاريت الأوغاد، ودعاةً على أبواب الأوهام، وسخافة العقول!
  8. وقبل أن نأخذ بنصيحتكم: هل أخذتم بعين الاعتبار ضمانات عودتنا إذا أَخرجتمونا بحبّكم الشهم الكبير هذا!
  9. وهل أخذتم بعين الاعتبار مَن هي الطليعة المقاتلة الجديدة التي سترث الدفاع عن كل بلدانكم أمام شراسة هذا العدوّ وقذارة مبادئه وانكشاف أهدافه التوسعية الذي انفتحت شهيّته التدميرية عليكم!
  10. ألا تعلمون أنكم تهدرون فرصة الدفاع عن أوطانكم بتخلّيكم عنّا وتهجيركم لنا والتفريط في طليعتنا المقاتلة؛ فإنّكم لو أعدتم تركيب أحداث الزمان فسترون أننا كنّا نقاتل نيابة عنكم منذ أكثر من خمسين سنة قاسية، وأنّنا كنا نؤخّر عنكم هؤلاء الأوغاد، وما زلنا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى